السياحة في اسطنبول

مهرجان التوليب في إسطنبول: ربيع الخزامى في حدائق المدينة

مهرجان التوليب في إسطنبول: ربيع الخزامى في حدائق المدينة

مهرجان التوليب في إسطنبول مهرجان ربيعي يُقام في حدائق المدينة وغاباتها من الأول إلى الثلاثين من نيسان كل عام، تُغرس فيه ملايين الزهرات من عشرات الأصناف. ويستعيد المهرجان مكانة التوليب في الثقافة العثمانية، ولا سيّما في «عهد التوليب» بين 1718 و1730، حين صارت الزهرة رمزًا للبلاط والنخبة في إسطنبول.

في كل نيسان تُغرس ملايين زهرات التوليب في حدائق إسطنبول وغاباتها، فتعود المدينة إلى الزهرة التي أعطت اسمها لحقبة كاملة من تاريخها العثماني.

ما هو المهرجان

مهرجان التوليب في إسطنبول İstanbul Lale Festivali مهرجان يتّخذ موسم الخزامى (التوليب) موضوعًا له، ويُقام في حدائق إسطنبول ومتنزّهاتها وغاباتها الحضرية. تُغرس فيه آلاف الزهرات في أشهر الربيع، فتكتسي أماكن كثيرة من المدينة بالتوليب.

يُقام المهرجان كل عام بين الأول والثلاثين من نيسان، أي على امتداد الشهر كله. وتذكره القوائم الدولية لمهرجانات التوليب مهرجانًا دوليًا يُقام في إسطنبول في نيسان من كل عام، إلى جانب مهرجانات مشابهة في مدن كثيرة من العالم، أكثرها في أمريكا الشمالية وفي مدن ذات أصول هولندية.

والتوليب في هذه المهرجانات كلها بشير بقدوم الربيع، والمهرجان فرصة لسكّان المدينة ليروا الزهرة في أبهى صورها، وهو كذلك مقصد سياحي. وقد لا تتزامن ذروة تفتّح الزهور في بعض السنوات مع موعد المهرجان بسبب أحوال الطقس.

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.1083, 29.0525. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

بالأرقام

في عام 2018 غُرست في حدائق المدينة ومتنزّهاتها وغاباتها نحو 13 مليون زهرة توليب، وبلغ مجموع ما غُرس في إسطنبول ذلك العام 30 مليون زهرة. وتفاوت عدد الأصناف من حديقة إلى أخرى، فبلغ في أغناها 125 صنفًا وفي أقلّها 45 صنفًا.

وفي عام 2015 عُرضت في ميدان السلطان أحمد Sultanahmet Meydanı «سجّادة» من التوليب صُنعت من 545 ألف زهرة، وقُدّمت بوصفها أول عمل من نوعه في العالم.

سجّادة من التوليب بألوان الأحمر والأصفر والبنفسجي في ميدان السلطان أحمد خلال مهرجان التوليب بإسطنبول، نيسان 2015
سجّادة من التوليب بألوان الأحمر والأصفر والبنفسجي في ميدان السلطان أحمد خلال مهرجان التوليب بإسطنبول، نيسان 2015Maurice Flesier · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

ما يجري في المهرجان

لا يقتصر المهرجان على مشاهدة أحواض الزهور، فبرنامجه يضمّ فعاليات رياضية ومعارض وحفلات موسيقية، وأنشطة لغرس التوليب، وبيعًا لأبصاله وزهوره، إلى جانب معارض «سجّاد التوليب» التي تُصفّ فيها الزهرات بألوانها المختلفة في رسوم كبيرة على الأرض.

ولأن الغرس يتوزّع على حدائق المدينة ومتنزّهاتها وغاباتها، يصادف الزائر في نيسان التوليب في أماكن كثيرة من إسطنبول، لا في موضع واحد.

بركة حديقة أميرجان وشلّالها الصغير والكشك الأصفر خلفها، وأحواض التوليب حولها في موسم المهرجان، نيسان 2014
بركة حديقة أميرجان وشلّالها الصغير والكشك الأصفر خلفها، وأحواض التوليب حولها في موسم المهرجان، نيسان 2014Antonio Cristofaro · CC BY 3.0 · ويكيميديا كومنز

الخلفية التاريخية: عهد التوليب

يستمدّ المهرجان معناه من تاريخ طويل للتوليب في الثقافة العثمانية، بلغ ذروته في ما يُسمّى عهد التوليب أو «عهد الخزامى» Lâle Devri. وهي حقبة من التاريخ العثماني تمتدّ من معاهدة بساروفتس التي وُقّعت مع النمسا في 21 تموز 1718 إلى تمرّد باترونا خليل في 28 أيلول 1730، وكان السلطان فيها أحمد الثالث وصدره الأعظم صهره إبراهيم باشا النوشهري Nevşehirli Damat İbrahim Paşa.

كانت حقبة سلام نسبي وازدهار، أخذت فيها الدولة العثمانية تنفتح على الخارج. وجاء اسمها من شغف البلاط والنخبة بالتوليب، فقد كان الصدر الأعظم نفسه مولعًا بأبصاله، فاقتدت به نخبة إسطنبول، وأخذت تحتفي بتنوّع ألوانه وبموسمه. وصار التوليب علامة على النبل والامتياز، يُرى في أسواق الزهور وفي الفنون وفي الحرير والمنسوجات والثياب، وفي البيوت والحدائق.

ومن رجال تلك الحقبة أمير البحر مصطفى باشا، صهر الصدر الأعظم، الذي يُذكر بأنه استنبط أربعة وأربعين صنفًا جديدًا من التوليب. وارتفعت أسعار الأبصال منذ العقود الأخيرة من القرن السابع عشر حتى بلغت ذروتها في 1726–1727، فتدخّلت الدولة: رفع رجال البلاط عريضة يشكون فيها بائعي الزهور، فصدرت قوائم بالزهور وأسعارها وأُرسلت إلى قاضي إسطنبول لتطبيقها.

أحواض التوليب الحمراء والبيضاء تحت الأشجار في حديقة غولهانه خلال مهرجان التوليب، نيسان 2024
أحواض التوليب الحمراء والبيضاء تحت الأشجار في حديقة غولهانه خلال مهرجان التوليب، نيسان 2024Janabaevazizbek · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

إسطنبول في عهد التوليب

شهدت الحقبة نهضة في الفنون والعمارة. فقد عاد البلاط إلى إسطنبول بعد إقامة طويلة في أدرنة في أواخر القرن السابع عشر، فنشط البناء في العاصمة ورُمّمت كثير من مبانيها القديمة، وكان إبراهيم باشا صاحب الدور الأكبر في ذلك. وصارت الزخرفة أغنى وأميل إلى الموضوعات النباتية والزهرية، متأثّرة بالباروك الأوروبي من جهة وبالفن الصفوي من جهة أخرى.

ومن أشهر شواهد تلك الحقبة سبيل السلطان أحمد الثالث الذي بُني سنة 1728 أمام الباب الهمايوني لقصر طوب قابي قبالة آيا صوفيا، وهو واحد من أسبلة ونوافير كثيرة شُيّدت في ذلك العهد. وبنى السلطان أيضًا مكتبتين في قصر طوب قابي وفي الجامع الجديد، ومن أعمال الحقبة جامع يني والدة في أسكودار، والسبيل أمام جامع أورتاكوي.

وأشهر ما أُنشئ فيها قصر سعد آباد، القصر الصيفي الذي بناه إبراهيم باشا للسلطان في 1722–1723 في كاغد خانة، عند جداول تصبّ في القرن الذهبي، وحوله قناة طويلة مكسوّة بالرخام وحدائق وأجنحة. وشجّع السلطان رجال بلاطه على بناء أجنحتهم على القناة، واتّخذ عامّة أهل إسطنبول المكان متنزّهًا لنزهاتهم، فكانت أول مرة يقترب فيها الناس من الحاكم على هذا النحو. ولم يبقَ من القصر اليوم إلا أطلال.

ممرّ على جدول صغير تحفّه أحواض التوليب في حديقة أميرجان خلال مهرجان التوليب، نيسان 2024
ممرّ على جدول صغير تحفّه أحواض التوليب في حديقة أميرجان خلال مهرجان التوليب، نيسان 2024Janabaevazizbek · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الطباعة والشعر والتصوير

لم يكن عهد التوليب زهورًا ونزهات فحسب. ففيه أُسّست أول مطبعة باللغة العثمانية على يد إبراهيم متفرّقة وسعيد أفندي، وكان أول كتاب طُبع فيها سنة 1729 معجم «وانقولي» العربي التركي، ويُعدّ ذلك البداية الرسمية للطباعة عند العثمانيين. وأُرسلت فيه سفارات مؤقّتة إلى باريس ولندن وفيينا، وجُرّب فيه التلقيح ضد الجدري لأول مرة، وأُنشئت فرقة إطفاء من الإنكشارية تُسمّى «الطولومبجية» لمواجهة حرائق إسطنبول، وافتُتحت مصانع للخزف وللورق.

وتغنّى الشعراء بالتوليب، وأشهرهم نديم الذي جدّد في الشعر وهو يكتب في قالبه الكلاسيكي العثماني، ومن أبياته المشهورة في وصف إسطنبول أن هذه المدينة لا مثيل لها ولا ثمن، وأن حجرًا واحدًا منها يُفتدى بملك العجم كله. وبرز في التصوير المصغّر عبد الجليل لوني، مصوّر البلاط الذي أحيا تقليد المرقّعات المصوّرة، وسُمّيت ألبوماته «ألبومات التوليب».

جزيرة صغيرة من الصخور مغروسة بالزهور الزرقاء وسط بركة حديقة أميرجان في موسم التوليب، نيسان 2014
جزيرة صغيرة من الصخور مغروسة بالزهور الزرقاء وسط بركة حديقة أميرجان في موسم التوليب، نيسان 2014Antonio Cristofaro · CC BY 3.0 · ويكيميديا كومنز

نهاية الحقبة والجدل حول اسمها

كان يسر عيش كبار رجال الدولة في إسطنبول وولعهم باللهو، والناس في ضيق، مصدرًا للسخط. وفي أثناء الحرب مع إيران شاع أن السلطان باع القلاع بالمال، فطالب الناس بخروجه إلى الحرب، فأخرج موكبًا شكليًا ثم عاد إلى القصر بالقوارب مساءً. فاندلع التمرّد بقيادة باترونا خليل، وهو إنكشاري من أصل ألباني كان يعمل مدلّكًا في حمّام بايزيد، فأُعدم إبراهيم باشا وسُلّمت جثّته إلى الثائرين، وخُلع أحمد الثالث وتولّى العرش محمود الأول.

ولم يُسمَّ هذا العهد «عهد التوليب» في زمنه قط. فالاسم ظهر في أوائل القرن العشرين، حين وصف الشاعر يحيى كمال في حديث مع صديقه المؤرّخ أحمد رفيق ألتيناي تلك الحقبة بهذا الاسم، فجعله أحمد رفيق عنوانًا لكتابه سنة 1913، ثم شاع. ويرى مؤرّخون معاصرون، منهم جمال قفادار وجان إريمتان، أن الاسم صنعة تاريخية متأخّرة لا تعكس الواقع بدقّة، ويرى إريمتان أن قصر سعد آباد استُلهم من قصور الحدائق في أصفهان لا من القصور الفرنسية.

ومهما يكن من أمر الاسم، فالتوليب ما زال في تركيا الحديثة رمزًا للكمال والجمال، حتى إن الخطوط الجوية التركية ترسمه على أجسام طائراتها، ومهرجان نيسان في إسطنبول امتداد لهذه المكانة.

أشرطة من التوليب الأحمر والأصفر إلى جانب الزهور الزرقاء في حديقة أميرجان في موسم المهرجان، نيسان 2014
أشرطة من التوليب الأحمر والأصفر إلى جانب الزهور الزرقاء في حديقة أميرجان في موسم المهرجان، نيسان 2014Antonio Cristofaro · CC BY 3.0 · ويكيميديا كومنز
سجّادة مرسومة بالتوليب على الطراز العثماني في ساحة بإسطنبول عند الغروب، نيسان 2018
سجّادة مرسومة بالتوليب على الطراز العثماني في ساحة بإسطنبول عند الغروب، نيسان 2018Jelican9 · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

بطاقة الفعالية

  • الاسم: مهرجان التوليب في إسطنبول İstanbul Lale Festivali
  • النوع: مهرجان زهور ربيعي سنوي
  • الموعد المعتاد: من الأول إلى الثلاثين من نيسان كل عام
  • المكان: حدائق إسطنبول ومتنزّهاتها وغاباتها الحضرية، ومعارض في الساحات العامة مثل ميدان السلطان أحمد
  • اليوم: في عام 2018 غُرست نحو 13 مليون زهرة في الحدائق و30 مليونًا في المدينة كلها، بين 45 و125 صنفًا في الحديقة الواحدة

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo