السياحة في اسطنبول

محطة حيدر باشا: بوابة الأناضول وسكة بغداد على شاطئ قاضي كوي

محطة حيدر باشا: بوابة الأناضول وسكة بغداد على شاطئ قاضي كوي

محطة حيدر باشا محطة القطارات التاريخية على الشاطئ الآسيوي في منطقة قاضي كوي، كانت حتى 2012 المحطة الرئيسية للقطارات القادمة من الأناضول والذاهبة إليه، وأكثر محطات تركيا ازدحامًا. افتُتح مبناها الحالي سنة 1909 نهايةً شماليةً لسكة بغداد وسكة الحجاز، ومرّ بانفجار 1917 وحريق ناقلة النفط سنة 1979 وحريق سقفه سنة 2010، وهو اليوم قيد الترميم، وكُشفت تحت أرصفته آثار بيزنطية وأقدم منها.

على ألف ومئة ركيزة خشبية غُرزت في الشاطئ قامت محطة بناها الألمان لسكة بغداد، ثم هزّها انفجار 1917 وحريق ناقلة 1979 وحريق سقفها 2010.

المحطة على الشاطئ الآسيوي

محطة حيدر باشا Haydarpaşa Garı محطة قطارات تاريخية على الشاطئ الآسيوي من إسطنبول، في منطقة قاضي كوي. وكانت حتى سنة 2012 المحطة الرئيسية في المدينة للقطارات الذاهبة إلى الجانب الأناضولي من تركيا والقادمة منه، وأكثر محطات تركيا ازدحامًا، في حين كانت محطة سيركجي على الجانب الأوروبي تخدم القطارات المتجهة إلى تراقيا.

وتقوم المحطة على ردم فوق مياه البوسفور، جنوب ميناء حيدر باشا مباشرة، وهو من أهم موانئ الحاويات في تركيا، وإلى الشمال قليلًا من قلب قاضي كوي المزدحم. وكانت العبّارات، قبل تعليق خدمة القطارات، تصلها بإمينونو وقره كوي وقاضي كوي. ولا يزال المبنى مقرًّا للمديرية الإقليمية الأولى للسكك الحديدية التركية.

ويُرجَّح أن الأرض التي تقوم عليها المحطة أخذت اسمها من خادم حيدر باشا، أحد وزراء الدولة العثمانية في القرن السادس عشر.

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 40.9962, 29.0187. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

المحطة الأولى 1872

في سنة 1871 أمر السلطان عبد العزيز ببناء أول خط حديدي من حيدر باشا في إسطنبول إلى إزميت. وافتُتحت المحطة سنة 1872، وتحدّد المصادر التركية دخولها الخدمة في 22 أيلول 1872، وكان الخط يومئذ قد بلغ غبزة. وبنت المحطةَ الأولى نظارةُ الأشغال العامة العثمانية، وكانت مبنى مركزيًا من طابقين بسقف مائل له جناحان رئيسيان وجناحان جانبيان من طابق واحد، ثم وُسّعت بإضافات كبيرة.

وفي سنة 1888 تسلّمت شركة «سكك حديد الأناضول العثمانية» Chemins de fer Ottomans d'Anatolie الخط والمحطة. ولأن المحطة بُنيت على شاطئ البوسفور مباشرة، كانت قطارات البضائع تُفرغ حمولتها فيها لتُنقل إلى السفن فورًا. وفي سنة 1890 بدأت أول خدمة منتظمة للركّاب، بقطار يومي إلى إزميت، وفي سنة 1892 مدّت الشركة الخط إلى أنقرة، وبدأ بعد قليل قطار يومي بين المدينتين.

وفي 10 تموز 1894 أصاب زلزال مبنى المحطة، فأعادت الشركة بناءه مبنى مركزيًا من طابقين بسطح مستوٍ وجناحين رئيسيين.

عبّارة تقترب من رصيف محطة حيدر باشا والنوارس تحلّق فوق الماء، كانون الأول 2015
عبّارة تقترب من رصيف محطة حيدر باشا والنوارس تحلّق فوق الماء، كانون الأول 2015Fatih Mehmet Özcan · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

محطة سكة بغداد: البناء الألماني 1906–1909

في سنة 1904 اختيرت حيدر باشا نهايةً شماليةً لـسكة حديد بغداد وسكة حديد الحجاز. ومع ازدياد الحركة صار لا بد من مبنى أكبر، فاستعانت شركة سكك الأناضول بمعماريين ألمانيين، هما أوتو ريتر وهلموت كونو، فاختارا تصميمًا على الطراز الكلاسيكي الجديد الألماني. وبدأ البناء في 30 أيار 1906.

وتقوم أساسات المبنى على 1,100 ركيزة خشبية طول كل منها 21 مترًا، غُرزت في الشاطئ الرخو بمطرقة بخارية، ويحمله هيكل من الفولاذ. وعمل في البناء معلّمون أتراك وألمان، ونحت البنّاؤون الألمان والإيطاليون زخارف الواجهات. وتذكر المصادر التركية أنه استُعمل فيه 2,500 متر مكعب من الحجر الرملي جُلبت من ليفكه، و13,000 متر مكعب من الخرسانة، و1,140 طنًّا من الحديد، و520 مترًا مكعبًا من الخشب.

واكتمل العمل على الأرض المردومة من البحر في 19 آب 1909، وافتُتحت المحطة الجديدة رسميًا في 4 تشرين الثاني 1909 احتفالًا بعيد ميلاد السلطان محمد الخامس. وبُني مع المحطة رصيف بحري لكسر الأمواج يعلوه نصب تذكاري، ومنشآت لتحميل البضائع وتفريغها.

وفي أثناء البناء أنشأ المهندسون والحِرفيون الألمان حيًّا ألمانيًا صغيرًا بمدرسته الخاصة في حيّ يل دكرمني بقاضي كوي.

باب المحطة الداخلي تعلوه نافذة زجاجية كبيرة وساعة، كانون الأول 2013
باب المحطة الداخلي تعلوه نافذة زجاجية كبيرة وساعة، كانون الأول 2013Mark Ahsmann · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

الحرب العالمية الأولى وانفجار 1917

اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، ووقفت الدولة العثمانية إلى جانب دول الوسط في مواجهة دول الحلفاء. وفي سنة 1917، في أثناء الحرب، وقع عمل تخريبي على الذخائر المخزونة في مستودع المحطة، فنشب حريق أصاب جزءًا كبيرًا من المبنى. وغيّر الانفجار البنية الأصلية للبرجين في الشمال الغربي والجنوب الشرقي، وخفّض ارتفاعهما، ثم رُمّم المبنى فاتخذ شكله الحالي.

ويحمل الجامع المجاور للمحطة اسم «جامع شهداء حيدر باشا 1917» Haydarpaşa 1917 Şehitleri Camii.

وفي سنة 1917 أيضًا صمّم المعماري ودات تك Vedat Tek رصيف العبّارات الجميل المزيّن بقرميد كوتاهية أمام المحطة، حيث كانت العبّارات تُنزل الركّاب القاصدين القطارات. ولما خسرت الدولة العثمانية الحرب احتلّت الإمبراطورية البريطانية إسطنبول، ووقعت حيدر باشا تحت السيطرة العسكرية البريطانية طوال الاحتلال.

لوحة من القاشاني الأزرق كُتب عليها اسم حيدر باشا بالحروف العربية العثمانية، 2012
لوحة من القاشاني الأزرق كُتب عليها اسم حيدر باشا بالحروف العربية العثمانية، 2012Nevit Dilmen (talk) · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

قطارات الجمهورية

انتهت حرب الاستقلال التركية بانسحاب البريطانيين من إسطنبول وقيام الجمهورية التركية في 29 تشرين الأول 1923. وبقيت المحطة في يد شركة سكك الأناضول، إلى أن تسلّمت الإدارة الجديدة للسكك الحديدية الشركة والمحطة سنة 1927 في إطار تأميم السكك الحديدية التركية كلها.

وفي سنة 1927 بدأت شركة عربات النوم الدولية تسيير «قطار الأناضول السريع»، وهو قطار فاخر عرباته كلها للنوم، يسير يوميًا بين حيدر باشا وأنقرة. وفي سنة 1938 بدأ «قطار الشرق» Doğu Ekspresi يسير منها إلى قارص في شرق تركيا، مسافة 1,994 كيلومترًا. وفي سنة 1940 دخل الخدمة قطار طوروس السريع الشهير من حيدر باشا إلى بغداد، مسافة 2,566 كيلومترًا. وفي سنة 1965 بدأ «قطار عبر آسيا السريع» يسير منها إلى طهران، مسافة 3,059 كيلومترًا.

وفي سنة 1969 كُهربت السكة بين حيدر باشا وغبزة لقطار الضواحي، وعادت المحطة إلى الخدمة بعد التجديد في 29 أيار 1969. وفي سنة 1976 خضع المبنى لترميم واسع وفيٍّ لأصله.

ساعة المحطة وسط الزجاج المعشّق بالرصاص في محطة حيدر باشا، كانون الأول 2013
ساعة المحطة وسط الزجاج المعشّق بالرصاص في محطة حيدر باشا، كانون الأول 2013Mark Ahsmann · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

ناقلة «إندبندنتا» 1979

في سنة 1979 احترقت ناقلة نفط في البوسفور، هي الناقلة «إندبندنتا» Independenta، فأصاب انفجارها مبنى المحطة، وتضرّر زجاجها المعشّق بالرصاص الذي صنعه أوتو لينمان Otto Linneman.

ورُمّم المبنى بعد الحادث، وشملت أعمال الترميم واجهاته الخارجية وأبراجه، وتذكر المصادر التركية أنها اكتملت سنة 1983.

قطارات على أرصفة محطة حيدر باشا المسقوفة، وخلفها مبنى المحطة، آذار 2011
قطارات على أرصفة محطة حيدر باشا المسقوفة، وخلفها مبنى المحطة، آذار 2011Btian Paul Dorsam · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

حريق 2010 والإغلاق

في 28 تشرين الثاني 2010 نشب حريق في سقف المحطة بسبب الإهمال في أثناء أعمال الترميم، فدمّر السقف الخشبي والأبراج والطابق الرابع. وحُكم على ثلاثة أشخاص بالسجن عشرة أشهر بتهمة «التسبب بالحريق عن تهوّر».

وفي سنة 2011 أدرج الصندوق العالمي للآثار، ومقرّه نيويورك، المحطة في قائمة المواقع المهدّدة لسنة 2012، لافتًا الأنظار إلى مستقبلها المجهول. وفي تشرين الثاني 2012 استضافت المحطة معرضًا فنيًا مدته ثلاثة أيام بعنوان «حيدر باشا: الماضي والحاضر والمستقبل المجهول»، شارك فيه فنانون ومصوّرون كنديون وأتراك سعيًا إلى إبقاء المحطة مركزًا للنقل.

وفي 2 شباط 2012 أُغلقت المحطة أمام القطارات البعيدة لإفساح المجال لبناء القطار السريع بين إسطنبول وأنقرة وخط مرمراي، فتوقفت القطارات بين إسطنبول والأناضول. ثم عُلّقت قطارات الضواحي في 19 حزيران 2013، وأُلغيت الرحلات كلها في 24 تموز 2014، ونُقلت خطوطها إلى محطة بنديك، ثم في 12 آذار 2019 إلى محطتي صوغوتلو تشيشمه وخالقالي. أما القطارات السريعة إلى أنقرة وقونية وإسكي شهير فصارت تنطلق من محطات أخرى.

وأثار إغلاق المحطة جدلًا كبيرًا، فأقامت جماعة «تضامن حيدر باشا» Haydarpaşa Dayanışması اعتصامات منتظمة أمامها، خشية بيع المحطة والميناء، وكان أشدّ ما أثار الاعتراض خطة تضمنت سبع ناطحات سحاب. وفي كانون الأول 2015 أُقرّت نظريًا إعادة ربط المحطة بشبكة مرمراي مع ترميم المبنى والأرصفة.

مبنى محطة حيدر باشا محترقًا بعد انفجار أيلول 1917، نحو 1920
مبنى محطة حيدر باشا محترقًا بعد انفجار أيلول 1917، نحو 1920Unbekannter Fotograf (nach 1917) · CC0 · ويكيميديا كومنز

آثار تحت الأرصفة

في سنة 2018، في أثناء أعمال الترميم، كُشفت بقايا بلدة ساحلية بيزنطية، ومعها نافورة من العصر البيزنطي، وسور تحصين كبير، وفرن لصنع الآجر الفخاري. وعُثر كذلك على عشرات القبور، وفي تشرين الأول 2018 وجد علماء الآثار هيكلًا عظميًا كاملًا يلبس قلادة معطّرة، إلى جانب حُليّ ونقود تعود إلى ما بين سنتي 527 و565 وما بين 610 و641 للميلاد.

ووُجدت بين أرصفة القطارات منصّة من كتل مستطيلة منحوتة يُعتقد أنها ترجع إلى العصر الهلنستي. وتذكر المصادر التركية أن ما ظهر تحت الأرصفة بقايا من مدينة خلقيدونية القديمة Kalkedon، وأنه تقرّر تحويل المنطقة إلى حديقة أثرية تُعرض فيها البقايا في مكانها تحت غطاء واقٍ.

الترميم والمستقبل

بعد حريق 2010 بدأ مشروع ترميم شامل. فالبرجان في الشمال الغربي والجنوب الشرقي من أهم رموز المبنى، وقد احترق في البرج الجنوبي الشرقي تكسيته الخشبية وحوامله وغطاؤه الرصاصي. فنُزعت الطبقات عن الدعائم الحديدية، واستُبدل ما صدئ منها، ورُمّم الباقي بالسفع الرملي وأعيد طلاؤه، ثم استُبدل الخشب المهترئ بمواد متوافقة مع الأصل، وطُبّق العزل ضد الماء والحرارة، وكُسي السطح بألواح الأردواز. وأعيد بناء السقف الأصلي بجمالونات خشبية ذات أثر باروكي، ونُظّفت الواجهات الحجرية بالسفع الدقيق منخفض الضغط، وعولجت من الأملاح المتبلورة بسبب قرب البحر، وأعيد ملء الفواصل بملاط الجير التقليدي.

ورُصد في المحطة 4 سكك و3 أرصفة لتخدم القطارات السريعة. ثم وُقّع بروتوكول بين هيئة السكك الحديدية والمديرية العامة للممتلكات الثقافية والمتاحف، بقيت بموجبه السكك والأرصفة للهيئة، وانتقل مبنى المحطة مع أرض مساحتها 500 دونم إلى وزارة الثقافة والسياحة مدة 29 سنة. وانتقدت نقابة عمّال النقل وجماعة تضامن حيدر باشا البروتوكول لأنه يتيح للوزارة تأجير المكان أو نقله، وأعلنت الوزارة أن الطابق السفلي سيبقى للسكك الحديدية، وأن الطوابق العليا ستضمّ مكتبة وقاعات معارض.

وفي سنة 2025 بدأ إخلاء ساحة المحطة، وتقرّر إخلاء مساكن موظفيها بحلول 1 نيسان 2026. وأثار مصير الجامع المجاور جدلًا محليًا بعد شائعات عن هدمه، فنفت الوزارة ذلك. ومن المخطط أن تكون المحطة محطة قطارات ومتحفًا معًا.

في جوار المحطة

على مقربة من المحطة مقبرة حيدر باشا الصغيرة، المخصّصة للجنود البريطانيين وجنود الكومنولث الذين قُتلوا في حرب القرم (1854–1856) والحربين العالميتين، وفيها أيضًا قبور من أبناء جالية «اللفنتين» الأوروبيين المشرقيين الذين عاشوا في قاضي كوي ومودا.

وقريبًا منها ثكنة السليمية التي تعود إلى القرن التاسع عشر، وقد تحوّل جناحها الشمالي الغربي إلى مستشفى عسكري في حرب القرم، ففيه عالجت رائدة التمريض فلورنس نايتنغيل الجنود البريطانيين الجرحى والمرضى، وغرفتها محفوظة في متحف صغير يضمّ مقتنيات من تلك الحرب، ولا تُزار إلا بإذن من الجيش.

وفي جوار المحطة كذلك مبانٍ صمّمها المعماريان ألكسندر فالوري وريموندو دارونكو، منها مستشفى حيدر باشا نمونه، ومستشفى غاتا العسكري، ومستشفى الدكتور صيامي أرسك، والحرم الجامعي الحالي لجامعة مرمرة في حيدر باشا، ورصيف عبّارات حيدر باشا.

بطاقة المكان

  • الاسم: محطة حيدر باشا Haydarpaşa Garı
  • النوع: محطة قطارات طرفية تاريخية
  • البناء: المحطة الأولى 1872 بأمر السلطان عبد العزيز، والمبنى الحالي بين 30 أيار 1906 و19 آب 1909، وافتُتح في 4 تشرين الثاني 1909
  • الباني والمعمار: شركة سكك حديد الأناضول العثمانية، بتصميم المعماريين الألمانيين أوتو ريتر وهلموت كونو
  • الطراز: الكلاسيكي الجديد الألماني
  • المكان: حيدر باشا، منطقة قاضي كوي
  • اليوم: مغلقة أمام القطارات منذ 2012–2014 وقيد الترميم، والمبنى في عهدة وزارة الثقافة والسياحة مدة 29 سنة
  • التراث والترميم: أدرجها الصندوق العالمي للآثار في قائمة المواقع المهددة لسنة 2012، ورُمّمت بعد 1979 وبعد حريق 2010

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo