السماع المولوي في إسطنبول: طقس الدراويش الدوّارين

السماع أو «السِّما» طقس ذكر صوفي تؤدّيه الطريقة المولوية، يدور فيه الدراويش في حلقة حول شيخهم على موسيقى الناي والأناشيد. نشأت الطريقة في قونية بعد وفاة الرومي سنة 1273، وأسّس السلطان محمد الفاتح أول تكية مولوية في إسطنبول، وأدرجت اليونسكو «مراسم السماع المولوي» سنة 2005 في روائع التراث الشفهي وغير المادي للبشرية.
على أنغام الناي يدور الدرويش المولوي حول نفسه وقد رفع يمناه إلى السماء وخفض يسراه نحو الأرض، في طقس يعود إلى جلال الدين الرومي في القرن الثالث عشر.
ما هو السماع
السماع Sema كلمة عربية معناها «الاستماع»، وهي في اصطلاح الصوفية طقس من طقوس الذكر يجتمع فيه الإنشاد والعزف والشعر والدعاء، ويُقصد به الإصغاء بالقلب إلى ما وراء الأصوات. وأشهر صوره اليوم الدوران الصوفي الذي تؤدّيه الطريقة المولوية Mevlevilik، ولذلك عُرف أتباعها في العالم باسم «الدراويش الدوّارين»، ويُسمّى من يؤدّي الدوران منهم السماع زن semazen، أي «صاحب السماع».
يسعى الدرويش في هذا الطقس إلى الاقتراب من الله بالتخلّي عن النفس وأهوائها، فيصغي إلى الموسيقى ويحصر ذهنه في ذكر الله ويدور بجسده في دوائر متتالية، وقد رأى بعضهم في هذا الدوران محاكاة رمزية لدوران الكواكب حول الشمس. ويردّد الدرويش في سرّه كلمة «الله» مع كل دورة كاملة، فالدوران عنده ضرب من الذكر لا عرض راقص.
وفي سنة 2005 أعلنت منظمة اليونسكو «مراسم السماع المولوي» في تركيا واحدة من روائع التراث الشفهي وغير المادي للبشرية.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.028, 28.9751. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
الرومي والطريقة المولوية
تُنسب الطريقة إلى جلال الدين الرومي الملقّب «مولانا» Mevlâna، الشاعر الصوفي الفارسي في القرن الثالث عشر، الذي عاش في قونية عاصمة سلاجقة الروم. ويُجلّ المولويون كذلك صديقه ومرشده شمس التبريزي. وتقول الحكاية المشهورة إن الرومي كان يمشي في سوق قونية فسمع طَرق صاغة الذهب المنتظم، فخُيّل إليه أنه يسمع «لا إله إلا الله»، فغمره الفرح فبسط ذراعيه وأخذ يدور. غير أن المؤرّخ المولوي عبد الباقي غولبينارلي رأى أن الرومي تعلّم الدوران من شمس التبريزي، وذكر الشيخ المولوي شفيق جان أن الدوران كان معروفًا بين الصوفية منذ أبي سعيد أبي الخير المتوفّى سنة 1049.
أما الطريقة نفسها فأسّسها بعد وفاة الرومي سنة 1273 ابنه سلطان ولد وحسام الدين جلبي الذي كان قد حثّ الرومي على نظم «المثنوي». وهما من بنيا ضريح الرومي في قونية الذي ما زال مزارًا حتى اليوم، وتابع جهدهما حفيده أولو عارف جلبي. وما زالت رئاسة الطريقة تنتقل في ذريّة الرومي من الذكور، ويُلقّب رئيسها «جلبي» Çelebi.
ويقول المولويون إن المحبة جوهر الإسلام، ومن أهمّ ممارساتهم بعد العبادات المفروضة: دراسة القرآن ومؤلّفات الرومي ولا سيّما «المثنوي»، والمراقبة، ومجالس الشيخ المسمّاة «الصحبة»، ثم السماع والذكر وتهذيب الأدب.

المولوية في إسطنبول العثمانية
يعود أول أثر مدوّن للصلة بين المولوية والدولة العثمانية إلى أواخر القرن الرابع عشر، حين أمر علي باشا ابن الصدر الأعظم خليل خير الدين باشا ببناء تكية مولوية سنة 1387 في عهد السلطان مراد الأول. وتوثّقت الصلة حين تزوّج السلطان بايزيد الأول من دولتشاه سلطان خاتون، وهي من ذرية سلطان ولد، فخصّ ابنهما السلطان محمد الأول الطريقة بامتيازات كثيرة سار عليها من بعده.
وفي القرن التالي أسّس السلطان محمد الفاتح أول تكية مولوية في إسطنبول، ورمّم قلعة قونية وضريح الرومي ووقف عليه الأوقاف. وبلغ عدد التكايا الصوفية للطريقة في أرجاء الدولة 114 تكية، وانتشرت في البلقان والشام ومصر وفلسطين، وتولّى كثير من أتباعها مناصب رسمية.
ويُعدّ عهد السلطان سليم الثالث العصر الذهبي للمولوية، فقد كان يقرأ «المثنوي» ويعزف على الناي ويؤدّي الألحان المولوية، وكان يزور تكايا المولوية في إسطنبول، ووُقفت في عهده أوقاف لتدريس «المثنوي» في الجوامع السلطانية. وفي أواخر العهد العثماني أدخل السلطان محمد الخامس رشاد الطريقة في مراسم تولّيه العرش، إذ سلّم في زيارته لضريح الرومي سيفًا يُنسب إلى الخليفة عمر إلى عبد الحليم جلبي، فقلّده إياه ثم صلّى ركعتين.

تكية غلطة ومن دُفن فيها
أشهر ما بقي من تكايا المولوية في إسطنبول تكية المولوية في غلطة Galata Mevlevihanesi، وللموقع ملفّ خاص بها. وترتبط هذه التكية بأسماء كبار الأدب والموسيقى المولوية، ففيها دُفن الشيخ غالب دده المتوفّى سنة 1799، صاحب منظومة «حسن وعشق»، الذي عدّته الباحثة آنه ماري شيمل «ربّما آخر أساتذة الشعر التركي الكلاسيكي الحقيقيين»، ودُفن فيها كذلك إسماعيل رسوخي الأنقروي المتوفّى سنة 1631، صاحب شرح مشهور على «المثنوي».
وفي التكية نفسها دُفنت الموسيقية ليلى ساز التي عاشت في أواخر القرن التاسع عشر، وهي من أشهر النساء الموسيقيات والملحّنات في تاريخ الطريقة إلى جانب دلحيات قلفة في أوائل القرن الثامن عشر.
فقد أنجبت المولوية في العهد العثماني قدرًا كبيرًا من الموسيقى الغنائية والآلية، وكان من أتباعها موسيقيون كبار، منهم مصطفى عطري (1640–1712) الذي يُعدّ أستاذ الموسيقى التركية الكلاسيكية، وإسماعيل دده (1778–1846) الذي لحّن كثيرًا من «الآيين»، وهي المؤلّفات الغنائية التي تُعزف في أثناء السماع.

مراحل الطقس
يُقام السماع تقليديًا في قاعة مخصّصة تُسمّى السماع خانة semahane، وفق طقس رمزي محدّد بدقّة، يدور فيه الدراويش في حلقة حول شيخهم. ويقف الشيخ في أشرف ركن من القاعة، ويمرّ به الدراويش ثلاث مرات يتبادلون معه التحية قبل أن تبدأ الحركة الدائرية.
يبدأ الطقس بـالنعت الشريف، وهو مديح للنبي محمد ينشده مغنٍّ منفرد، ويليه تقسيم مرتجل على الناي يرمز إلى النفخة الإلهية التي تهب الحياة لكل شيء. ثم تأتي الدورة الولدية Devr-i Veled المنسوبة إلى سلطان ولد: يضرب الدراويش الأرض بقوة رمزًا لقوله تعالى «كن»، ثم يطوفون بالقاعة صفًّا واحدًا ثلاث مرات على إيقاع «البشرف»، وينحني كل منهم لمن أمامه ثم لمن خلفه تحيةً من روح إلى روح، وبعدها يخلعون عباءاتهم السوداء.
ثم يأتي لبّ الطقس وهو السلامات الأربعة، وهي أربع حركات موسيقية متمايزة: الأولى ميلاد الإنسان إلى الحق بالمعرفة، والثانية انبهاره بعظمة الخلق، والثالثة تحوّل الانبهار إلى محبة وفناء في المحبوب، والرابعة رضاه بقدره وعبوديته لله. ويُختم الطقس بتلاوة من القرآن تتضمّن عادةً قوله تعالى: «ولله المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه الله».
والموسيقى المصاحبة تبدأ بالنعت الذي نظمه الرومي نفسه، وتنتهي بأناشيد قصيرة متّقدة يُغنّى بعضها بالتركية.

اللباس والحركة ورموزهما
يدخل الدرويش مرتديًا عباءة سوداء تُسمّى الخرقة hırka ترمز إلى الموت والقبر، فإذا خلعها قبل الدوران كان ذلك ميلادًا روحيًا جديدًا. وعلى رأسه قلنسوة طويلة من اللبّاد بلون بنّي تُسمّى السكّة sikke، ترمز إلى شاهد القبر وموت الأنا. وتحت الخرقة ثوب أبيض طويل واسع بلا أكمام يُسمّى التنّورة tennure، وسترة بيضاء بأكمام تُسمّى «دسته گل» أي «باقة الورد»، وهما رمزان للبعث.
في بداية الدوران يضمّ الدرويش ذراعيه على صدره متقاطعتين فيبدو كأنه رقم واحد شاهدًا بوحدانية الله. ثم يبسطهما: اليمنى مرفوعة وكفّها إلى أعلى لتلقّي الفيض الإلهي، واليسرى منخفضة وكفّها إلى أسفل وعيناه عليها لتنقل ذلك الفيض إلى العالم. ويدور من اليمين إلى اليسار حول القلب، عكس اتجاه عقارب الساعة.
ويكون الدوران على القدم اليسرى التي تبقى ملاصقة للأرض محورًا، وتدفع القدم اليمنى الجسد في خطوة كاملة. وإذا استغرق أحد الدراويش في الوجد أكثر مما ينبغي، لمس ثوبه برفق درويش آخر مكلّف بضبط النظام ليهدّئ حركته.

من المنع إلى العرض الثقافي
في عام 1923 التقى مصطفى كمال بأعضاء من الطريقة المولوية، وفي أيلول 1925 حظرت الجمهورية التركية الطرق الصوفية كلها وأغلقت تكاياها، وتحوّلت تكية قونية بعد ذلك إلى متحف مولانا. وتنقل المؤسسة الدولية لمولانا أن أتاتورك قال لعبد الحليم جلبي قبل الحظر إن المولوية خدمت العلم والفنون وحاربت الجهل قرونًا، لكن الدولة لا تستطيع أن تستثني تكاياها، وإن أفكار مولانا ستبقى وتظهر أقوى في المستقبل.
بقيت الممارسة المولوية بعد ذلك في تركيا على نحو أضيق وأكثر خصوصية. وفي عام 1954 منحت الحكومة التركية المولوية إذنًا خاصًا بأداء الدوران أمام السيّاح مدة أسبوعين في كل عام. وما زالت الطرق الصوفية محظورة رسميًا في تركيا، ولذلك تُقدَّم مراسم السماع رسميًا بوصفها فعاليات ثقافية ذات قيمة تاريخية لا بوصفها عبادة.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين خرج الطقس إلى الغرب: ففي عام 1971 قدّم الدراويش المولويون السماع في لندن ومعهم المنشد كاني قره جه الملقّب «صوت تركيا»، وفي عام 1972 جالوا في أمريكا الشمالية لأول مرة.

السماع اليوم وما ينبغي للزائر معرفته
يرى زائر إسطنبول اليوم عروضًا كثيرة تحمل اسم «الدراويش الدوّارين»، ويحسن به أن يعلم أن جماعات وأفرادًا لا صلة لهم بالطريقة المولوية يقدّمون «الدوران المولوي» لتسلية السيّاح، في حين يؤدّي المولويون الملتزمون طقسهم تحت إشراف شيخ معترف به. والسماع عند أهله عبادة وتأمّل، فالمنتظر من الحاضرين أن يلزموا الصمت والسكون طوال المراسم.
وقد اقتصر أداء الطقس تاريخيًا على الرجال، مع أن النساء عرفن السماع في أوائل عهد الطريقة، وتذكر كاميل هلمنسكي أن جلال الدين باقر جلبي، رئيس الطريقة، أذن في رسالة سنة 1991 بعودة الرجال والنساء إلى الدوران معًا في مراسم مختلطة، وبعض الجماعات اليوم تسمح بمشاركة النساء.
أما أعظم مناسبات السماع عند المولوية فهي ذكرى وفاة الرومي التي يسمّونها «شب عروس» أي «ليلة الوصال»، وتُحيا أسبوعًا كاملًا في قونية تنتهي ليلته الأخيرة في ذكرى الوفاة، ويقصدها الزوّار من أنحاء العالم حتى صار الحضور فيها بتذاكر.
وليس السماع حكرًا على المولوية، فهو حاضر في طقوس العلويين والبكتاشية في تركيا بصور تختلف عنها، ومن الدوران المولوي نشأ في مصر فنّ التنّورة بثوبه المتعدّد الألوان.
بطاقة الفعالية
- الاسم: السماع المولوي Mevlevi Sema Ceremony
- النوع: طقس ذكر صوفي
- البداية: القرن الثالث عشر، مع جلال الدين الرومي، وأُسّست الطريقة بعد وفاته سنة 1273
- المكان: السماع خانة في التكايا المولوية، ومنها في إسطنبول تكية المولوية في غلطة
- الجهة المنظّمة: الطريقة المولوية، ويرأسها «الجلبي» من ذرية الرومي
- اليوم: يُقدَّم رسميًا فعاليةً ثقافية لا عبادة منذ حظر الطرق الصوفية سنة 1925، وهو مدرج منذ 2005 في روائع التراث غير المادي لدى اليونسكو

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.