خان الوالدة الكبير: أكبر خانات إسطنبول التاريخية ودار تجار إيران

خان الوالدة الكبير أكبر خان تاريخي في إسطنبول، يقع في حيّ الأسواق القديم بين البازار الكبير وإمينونو. أسسته كوسم سلطان، والدة السلطانين مراد الرابع وإبراهيم، سنة 1651 على أرض قصر الجرّاح محمد باشا، وصار في القرن التاسع عشر مركز الجماعة التجارية الإيرانية، وفي فنائه مسجد شيعي وفي زاويته برج إيرين البيزنطي.
بنت كوسم سلطان هذا الخان سنة 1651 لتنفق من غلّته على جامعها في أسكودار، فصار أكبر خانات إسطنبول، وآوى تجار الحرير والسجاد الإيرانيين، ويحتضن في زاويته برجًا بيزنطيًّا.
أكبر خان في إسطنبول
خان الوالدة الكبير Büyük Valide Han، ومعنى اسمه «الخان الكبير لوالدة السلطان»، أكبر خان تاريخي في إسطنبول. والخان نوع من الخانات الحضرية (القيساريات) شائع في العمارة العثمانية وعمارة العالم الإسلامي عمومًا، كان ينزل فيه التجار الغرباء، وتُخزَّن فيه البضائع، وتقوم فيه ورش الحرفيين ومكاتب الصفقات.
يقع الخان في حيّ الأسواق التاريخي الذي يمتد من البازار الكبير إلى إمينونو على شاطئ القرن الذهبي، إلى الشرق من شارع أوزون تشارشي Uzun Çarşı Caddesi، ويُفتح مدخله على شارع مرجان Mercan Caddesi، في منحدر جقماقجيلار Çakmakçılar Yokuşu قبالة زقاق طراقجيلار.
وقد نشأ هذا الحيّ كله حول البازار الكبير، الذي صار منذ أن بنى السلطان محمد الفاتح أول بدستان في منتصف القرن الخامس عشر مركز التجارة الدولية في المدينة، فتوالدت حوله أحياء كاملة من الدكاكين والمخازن ونُزُل التجار، وبُنيت فيه وحوله خانات كثيرة على مرّ القرون.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.01381, 28.96842. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
قصر الجرّاح محمد باشا وأول المطابع
قبل بناء الخان كانت أرضه يشغلها قصر من القرن السادس عشر للجرّاح محمد باشا Cerrah Mehmed Paşa، وهو ما يذكره أوليا جلبي أيضًا.
وفي هذا القصر أُقيمت سنة 1567 إحدى أوائل المطابع في المدينة، أنشأها أبكار السيواسي Apkar.

كوسم سلطان ووقف الخان
أسست الخانَ سنة 1651 كوسم ماه بيكر والدة سلطان Kösem Mahpeyker Valide Sultan، زوجة السلطان أحمد الأول، ووالدة السلطانين مراد الرابع وإبراهيم، وكانت من أقوى نساء القصر العثماني نفوذًا. ولا يُعرف معمار الخان.
وكانت كوسم سلطان قد بنت سنة 1640 في أسكودار، على الشاطئ الآسيوي، مجمّع الجامع المزخرف بالقاشاني Çinili Camii، وبعد نحو عشر سنين بنت هذا الخان، وأوقفت غلّته على نظام الوقف المعتاد للإنفاق على صيانة ذلك المجمّع.
وفي الخان والجوار كان يعمل أناس كثيرون، فكانت فيه أماكن لطعامهم وشرابهم، ودكاكين لصنّاع النسيج والمعادن، ومخازن وورش. ومع تكاثف التجارة في المنطقة وتنوّع الحرف وزيادة الأيدي العاملة أُضيفت إليه ملحقات كثيرة.

دار التجار الإيرانيين في القرن التاسع عشر
ارتبط الخان في القرن التاسع عشر بالجماعة التجارية الإيرانية التي سكنته. وكان للإيرانيين حضور قديم في المدينة بفضل موقع إسطنبول على طريق الحرير، وبسبب الغزوات والاضطرابات السياسية التي دفعت مهاجرين من إيران إليها. وفي أوائل القرن التاسع عشر كانت معظم هذه الجماعة تقيم في خان صغير يُسمى خان الخوجة Hoca Han في حيّ أيوب.
ثم ازداد عددهم وشأنهم بعد معاهدات أرضروم (1823–1847) التي أعادت العلاقات التجارية والدبلوماسية بين الدولة العثمانية وإيران القاجارية، فأخذوا ينتقلون إلى خان الوالدة الأوسع والأقرب إلى قلب المدينة. وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت لكثير من الأسر التجارية الإيرانية الثرية مكاتب فيه.
وبفضل مكانة الطريق التجاري بين تبريز وإسطنبول خاصة، كان أكثر أبناء الجماعة من الأذربيجانيين الإيرانيين، واختصّوا باستيراد السجاد والحرير.
وكانت الشعائر الشيعية الإيرانية، كإحياء ذكرى عاشوراء، تُقام في فناء الخان، وتذكر المصادر التركية أن مجالس العزاء الكبرى لشيعة إسطنبول الإيرانيين ظلّت تقام فيه حتى سنة 1927، حين مُنعت مثل هذه المراسم في تركيا. وتذكر أيضًا أن المطابع الإيرانية في الخان كانت من أوائل الأماكن التي طُبع فيها القرآن الكريم سرًّا في إسطنبول.

العمارة: ثلاثة أفناء
يغطي الخان مساحة واسعة تتوسطها ساحة مربعة كبيرة طول ضلعها 55 مترًا، ومعها فناءان أصغر. فالخانات التقليدية كانت تقوم على فناء واحد، لكن خانات إسطنبول ازدادت تعقيدًا مع الزمن، واتخذت أحيانًا مخططات غير منتظمة لتتكيّف مع ضيق المكان في مدينة مزدحمة البنيان. ومخطط خان الوالدة غير المنتظم مثال على ذلك، وربما كان أول خان يضم ثلاثة أفناء.
الفناء الأول، عند الدخول، صغير غير منتظم يقارب شكل المثلث، يحاذي أحد جوانبه الشارع. وإلى شماله الفناء الرئيسي الكبير، ثم إلى شماله فناء مستطيل أصغر يُسمى أحيانًا «خان الوالدة الصغير» Küçük Valide Han، وله قبو يُنزل إليه بمنحدر خُصّص إسطبلًا.
والمبنى الرئيسي من طابقين: خُصّص الأرضي في الأصل للإبل والخيل وللمخازن، والعلوي لنزول التجار ومكاتب تجارة الجملة، ويُبلغان من رواق من طابقين بممرات مقبّبة يحيط بالأفناء. وتتناوب في المدخل الرئيسي والجدران الخارجية مداميك الحجر والآجر، أما الجدران الداخلية فمن الحجر الغشيم، وأروقته من الآجر مسقوفة في الطابق الأرضي بقبوات نصف أسطوانية، وفي الأعلى بالقبوات والقباب معًا.
وقد عُدِّل الخان مرارًا عبر القرون ليتسع ويتكيّف مع حاجات متجددة، فبلغ عدد غرفه 366 غرفة في أواخر القرن الثامن عشر، ثم ظلّت تُضاف إليه مبانٍ صغيرة وغرف جديدة. وأُغلقت أروقة الطابق العلوي مع الزمن وتحولت غرفًا، وفقدت سقوفه هيئتها الأولى تحت الإسمنت والزنك.

المسجد الإيراني
في وسط الفناء الرئيسي مسجد صغير بُني أول مرة للجماعة الإيرانية الشيعية في القرن التاسع عشر، ثم احترق سنة 1947 وأُعيد بناؤه سنة 1951.
وما زال المسجد الإيراني يؤدي دوره مسجدًا شيعيًّا مرتبطًا بالجماعة الإيرانية، لكنه لا يُفتح إلا في مناسبات معينة.

برج إيرين البيزنطي
تضم الزاوية الشمالية الشرقية من الخان بقايا كبيرة لبرج حجري بيزنطي ضخم يُعرف باسم برج إيرين İrene Kulesi، ما زال أصله موضع خلاف. وتذكر المصادر التركية أنه بُني في العصر البيزنطي الأوسط، وأن الاسم لا يرد في أي مصدر تاريخي معروف، وإنما أطلقه عليه الرحّالة بيير جيل Petrus Gyllius، الذي زار إسطنبول في القرن السادس عشر، نقلًا عن سكان الناحية. أما أوليا جلبي فوصفه بأنه «جهان نما»، أي برج مشرف، تابع لقصر الجرّاح محمد باشا.
كان ارتفاع البرج 27 مترًا، وهو البرج الوحيد من نوعه الباقي في المدينة اليوم. مخططه مربع، ومقاسه الداخلي 7 × 7 أمتار، وسُمك جدرانه نحو 150 سنتيمترًا، وجدرانه الحاملة من الحجر والآجر المتناوبين، وسقفه قبة مضلّعة من الآجر تبدو من الخارج مسطّحة. وله عشر فتحات نوافذ أُغلقت كلها إلا واحدة، ويُصعد في الطابق الثاني بدرج ضيق شديد الانحدار داخل الجدار الجنوبي إلى أعلى القبة.
وفي أيام الخان الأولى كانت الحجرة العليا في البرج تُستعمل مسجدًا، والسفلى مصنعًا للنسيج، أما اليوم فمهجور في معظمه. وقد انقطعت صلته بالفناء حين أُغلقت الأروقة وحُوّلت غرفًا، ويُبلغ اليوم من ممر في الرواق الشمالي، وتحجب مباني الخان والإضافات غير المرخّصة معظم واجهاته، إلا الغربية.

الانهيارات والحِرف في القرن العشرين
شهد الخان انهيارين: الأول سنة 1906 فخُتمت بعض غرفه، والثاني سنة 1926 في الخان الصغير، فخُتم هو الآخر، لكن الختم نُزع لاحقًا دون إذن وعاد الناس يسكنونه.
وتتبّع الباحثون في السجلات من 1881 إلى 1974 حِرفًا كثيرة كانت تُمارس في الخان ثم اندثرت مع التطور التقني أو قلة الطلب. وكانت في فنائيه الأول والثاني بقالة ومقهى ومطعم للكفتة، وورش لنسج القماش والخياطة وصنع القبعات والسبك والصباغة، وكان بعض الناس يتخذونه مسكنًا. وجاء إليه من أنحاء تركيا صبيان يتعلّمون عند صنّاع المعادن ويشتغلون بالنسيج.
وتراجع عدد الحرفيين في الخان بين 1908 والعشرينيات، وقلّ فيه الحرفيون الأرمن بعد الخمسينيات. وفي الثمانينيات ازدادت المخازن فيه مع ازدهار التجارة في المنطقة، وأُغلقت معظم ورش النسيج، واتخذ تجار الجملة الملحقات عند مدخل الفناء مخازن لهم، وبقيت فيه ورش قليلة للقوالب والسبك.
وأُعلن الخان تراثًا تاريخيًّا واجب الحماية في 23 تموز 1983.

الخان اليوم
الخان اليوم متهالك إلى حدّ كبير، لكنه ما زال مشغولًا جزئيًّا بالمكاتب والمحال التجارية، وأصحابها كلهم أتراك لا إيرانيون. وقد صار في السنوات الأخيرة مقصدًا للسياح الذين يستمتعون بمشاهد المدينة من سطحه. ولما صار الناس يصعدون إلى القباب لالتقاط الصور، ومعهم أحيانًا معدّات ثقيلة، حتى انهار بعضها وثُقب، علّقت وزارة الثقافة والسياحة سنة 2016 لافتة تحذير ومُنع الصعود إلى القباب.
واستُعمل الخان مكانًا لأعمال فنية: ففي بينالي إسطنبول الثامن سنة 2003 أقام الفنان مايك نيلسون Mike Nelson عمله في الغرفة رقم 51 في الطابق الثاني من الفناء الثاني، ثم بنى نسخة من الخان داخل الجناح البريطاني في بينالي البندقية الرابع والخمسين سنة 2011.
وظهر داخل الخان في مشهد مطاردة بالدراجات النارية في فيلم جيمس بوند «سكايفول» سنة 2012، وفي أفلام أخرى منها «Taken 2» و«رحلة إلى الشمس» ليشيم أوسطا أوغلو و«فخ التنين» لأوغور يوجل، وفي رواية للكاتب إلهامي ألغور صدرت سنة 2006.
الخانات المجاورة
لأن الخان في قلب حيّ التجار التاريخي فإن ما حوله مليء بالمباني التجارية العثمانية، وتصطف على شارع مرجان نفسه خانات تاريخية أخرى متفاوتة الحال.
أبرزها الخان الجديد الكبير Büyük Yeni Han الذي اكتمل سنة 1764، وهو ثاني أكبر خانات المدينة بعد خان الوالدة، والخان الجديد الصغير Küçük Yeni Han الذي بُني في الوقت نفسه، وخان الفرّائين Kürkçü Han، أقدم خان باقٍ في المدينة، الذي اكتمل سنة 1467.
بطاقة المكان
- الاسم: خان الوالدة الكبير Büyük Valide Han
- النوع: خان عثماني (قيسارية حضرية)
- البناء: 1651
- الباني والمعمار: كوسم سلطان، والدة السلطانين مراد الرابع وإبراهيم؛ المعمار غير معروف
- الطراز: عمارة تجارية عثمانية من القرن السابع عشر، بثلاثة أفناء وبرج بيزنطي
- المكان: إمينونو، منطقة الفاتح، في شارع مرجان قرب البازار الكبير
- اليوم: خان متهالك تشغله جزئيًّا مكاتب ومحال ومخازن، وفيه مسجد شيعي يُفتح في المناسبات
- التراث والترميم: أُعلن تراثًا واجب الحماية في 23 تموز 1983

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.