محطة سيركجي: محطة قطار الشرق السريع ونهاية سكة أوروبا في إسطنبول

محطة سيركجي، أو محطة إسطنبول، محطة القطارات التاريخية على الشاطئ الأوروبي عند طرف شبه الجزيرة التاريخية قرب القرن الذهبي. افتتحت عمارتها الحالية في 3 تشرين الثاني 1890 من تصميم أوغست ياسموند، وكانت المحطة الشرقية الأخيرة لقطار الشرق السريع، وظلت حتى 2013 نقطة انطلاق القطارات إلى أوروبا. وهي اليوم محطة لخط سيركجي–قازلي تشيشمة، وفيها متحف السكك الحديدية.
هنا كان ينتهي قطار الشرق السريع بعد رحلة ثمانين ساعة من باريس، في محطة بناها مهندس بروسي على طراز الاستشراق الأوروبي سنة 1890 عند سور حدائق طوب قابي.
محطة عند طرف شبه الجزيرة
محطة سيركجي Sirkeci Garı، وتُسمّى على الخرائط محطة إسطنبول İstanbul Garı، محطة قطارات طرفية في حيّ سيركجي بمنطقة الفاتح، عند رأس شبه الجزيرة التاريخية، بجوار القرن الذهبي مباشرة، وإلى الشمال الغربي من حديقة غولهانه وقصر طوب قابي. ويُدخل إليها من بابها الرئيسي على شارع أنقرة.
وكانت سيركجي على الشاطئ الأوروبي، مع محطة حيدر باشا على الشاطئ الآسيوي، المحطتين الطرفيتين لقطارات إسطنبول بين المدن وقطارات الضواحي. وقد بنتها شركة «سكك الحديد الشرقية» سنة 1890 لتكون المحطة الشرقية الأخيرة لقطار الشرق السريع الشهير الذي ربط باريس بإسطنبول بين سنتي 1883 و2009، فصارت رمزًا من رموز المدينة.
وتعود ملكية المبنى اليوم إلى وزارة الثقافة والسياحة التركية، وهو محطة ومركز ثقافي في آن.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.015, 28.97722. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
بعد حرب القرم: البحث عن سكة إلى أوروبا
بعد حرب القرم خلصت السلطات العثمانية إلى أن سكة حديد تصل أوروبا بإسطنبول صارت ضرورة. فوُقّع العقد الأول في كانون الثاني 1857 مع لابرو، عضو البرلمان البريطاني، لكنه أُلغي بعد ثلاثة أشهر لعجزه عن تأمين رأس المال اللازم. وانتهى عقدان آخران وُقّعا مع رجال أعمال بريطانيين وبلجيكيين سنتي 1860 و1868 إلى المصير نفسه.
وفي 17 نيسان 1869 مُنح امتياز «سكة حديد الروملي» للمصرفي البارون موريس دو هيرش Maurice de Hirsch، المولود في بافاريا والمقيم في بلجيكا. ونصّ المشروع على خط يمتد من إسطنبول عبر أدرنة وفيليبة (بلوفديف) وسراييفو إلى ضفة نهر سافا.
وبدأ بناء أول 15 كيلومترًا، من إسطنبول إلى خالقالي، في 4 حزيران 1870، واكتمل في 4 كانون الثاني 1871.

السكة على سور حدائق القصر
كانت يشيل كوي بعيدة عن إمينونو، الحيّ التجاري الرئيسي في ذلك العصر، فطُلب مدّ الخط إلى سيركجي لتكون نقطة انطلاقه. واقتُرح أولًا مسار ينحدر من بايزيد إلى شاطئ القرن الذهبي، لكن السلطان عبد العزيز قرّر وأجاز أن يمرّ الخط على شاطئ بحر مرمرة، ملاصقًا لأسوار الحديقة السفلى لقصر طوب قابي.
واكتمل خط التمديد في 21 تموز 1872، ودخل مبنى المحطة الأولى الخدمة. وفي سنة 1873 بُنيت في سيركجي محطة طرفية «مؤقتة». ومع ازدياد حركة القطارات صار ذلك المبنى الصغير قاصرًا، فتقرّر بناء محطة جديدة في موضعه.

مبنى ياسموند سنة 1890
بدأ بناء المحطة الجديدة في 11 شباط 1888، وافتُتحت في 3 تشرين الثاني 1890 بدلًا من المحطة المؤقتة، وكان اسمها الأول «محطة المشير أحمد باشا». وتذكر المصادر التركية أن أحمد مختار باشا هو الذي افتتحها باسم السلطان عبد الحميد الثاني، وأن تاريخ دخولها الخدمة منقوش على واجهتها الجانبية بالتقويمين الرومي والميلادي.
وصمّم المبنى أوغست ياسموند August Jasmund، وهو معماري بروسي أرسلته الحكومة الألمانية إلى إسطنبول لدراسة العمارة العثمانية، فدرّس التصميم المعماري في مدرسة الهندسة بإسطنبول، التي صارت جامعة إسطنبول التقنية.
ويقوم المبنى على مساحة 1,200 متر مربع، ويُعدّ من أشهر أمثلة الاستشراق الأوروبي في العمارة، وقد أثّر في تصاميم معماريين آخرين. واستُعمل في بنائه الغرانيت والرخام وحجارة جُلبت من مرسيليا. وكان في زمنه مبنى حديثًا، يُضاء بالغاز ويُدفأ في الشتاء بمواقد كبيرة من القرميد المزجّج صُنعت في النمسا.
وعلى جانبي باب المدخل الضخم في الواجهة الأمامية برجان للساعة يقومان على قاعدتين حجريتين تضيقان من الأعلى إلى الأسفل، وعلى ثلاث من واجهاتهما ساعات ذات موانئ مربعة جُلبت من باريس. وإحدى الساعتين لا تزال تعمل، والأخرى متوقفة منذ آخر ترميم.

قطار الشرق السريع
في 4 تشرين الأول 1883 انطلق أول قطار للشرق السريع من محطة الشرق في باريس، وودّعته الموسيقى بـ«المارش التركي» لموتسارت. وكان القطار مشروع رجل الأعمال البلجيكي جورج ناغلماكرز Georges Nagelmackers. ومرّ مساره بستراسبورغ وكارلسروه وشتوتغارت وأولم وميونخ في ألمانيا، وفيينا في النمسا، وبودابست في المجر، وبوخارست في رومانيا، وروسه وفارنا في بلغاريا، لينتهي في سيركجي. وكانت الرحلة تمتد 3,094 كيلومترًا وتستغرق 80 ساعة.
وظل قطار الشرق السريع سنوات طويلة يُنزل ركّابه في هذه المحطة ويأخذ منها ركّابًا. ثم أُلغي القطار المباشر في 19 أيار 1977، وقُصّر خط الشرق السريع عبر فيينا فصار ينتهي في بودابست ثم في فيينا. ومع افتتاح خط سريع جديد بين باريس وستراسبورغ سنة 2007 قُصّر مرة أخرى ليسير بين ستراسبورغ وفيينا فقط، إلى أن أُلغي نهائيًا سنة 2009 بعد أكثر من 130 سنة.
ويختلف ذلك القطار عن «قطار البندقية سيمبلون الشرق السريع» Venice-Simplon Orient Express، وهو قطار سياحي فاخر يستعمل عربات مرمّمة من ثلاثينيات القرن العشرين، يسير في الغالب بين كاليه والبندقية، ويقوم برحلة واحدة في السنة إلى إسطنبول.

مطعم الأدباء وبوابة المهاجرين
صار مطعم المحطة في خمسينيات القرن العشرين وستينياته ملتقى الصحفيين والكتّاب وغيرهم من الأعلام، وصار يُعرف لاحقًا باسم «أورينت إكسبريس»، وكان مقصدًا للسيّاح.
وجدّدت هيئة السكك الحديدية التركية المحطة وزوّدتها ببنية الكهربة، فعادت إلى الخدمة في 4 كانون الأول 1955، وخدمت بين سنتي 1955 و2013 قطار الضواحي بين سيركجي وخالقالي. وكانت منها تنطلق القطارات الإقليمية إلى قابي قوله وأدرنة وأوزون كوبرو، والقطارات الدولية إلى بوخارست وصوفيا وبلغراد.
ولأن المحطة كانت نقطة انطلاق هجرة المواطنين الأتراك إلى البلدان الأوروبية، أُعلن أنه سيُقام فيها «متحف للهجرة».

آخر القطارات الدولية ومرمراي
ظلّت المحطة حتى سنة 2013 نهاية الخطوط التي تصل تركيا بسائر أوروبا. فمنها كان ينطلق «قطار الصداقة» إلى سالونيك في اليونان بين تموز 2005 وشباط 2011، وتوقّف في أعقاب أزمة الديون اليونانية. وكان «قطار البوسفور» يسير يوميًا بين سيركجي ومحطة الشمال في بوخارست، مع عربات تتصل بصوفيا، وتاريخيًا ببلغراد، وهو اليوم ينتهي في خالقالي.
وفي 19 آذار 2013 عُلّقت الخدمة في المحطة إلى أجل غير مسمّى، بسبب إعادة تأهيل الخط بين قازلي تشيشمة وخالقالي لخط مرمراي الجديد. وفي 29 تشرين الأول 2013 افتُتحت محطة سيركجي الجديدة تحت الأرض، مع أربع محطات أخرى هي قازلي تشيشمة ويني قابي وأسكودار وآيريليك تشيشمه، على خط مرمراي الذي يعبر تحت البوسفور ليصل سكك أوروبا بسكك آسيا.
وكان بناء نفق مرمراي قد بدأ سنة 2004، وكان يُنتظر افتتاحه في نيسان 2009، لكن اكتشافات أثرية مهمة في يني قابي أخّرت الافتتاح إلى تشرين الأول 2013. وفي شباط 2017 ركب من محطة سيركجي 681,212 راكبًا، فكانت رابع أكثر محطات الخط ازدحامًا، بنسبة 14% من ركّاب الخط كله.

إحدى عشرة سنة بلا قطارات
في 11 آذار 2015 أُعدّ بروتوكول بين بلدية إسطنبول الكبرى وهيئة السكك الحديدية لنقل المبنى إلى البلدية مدة 49 سنة، ليصير متحفًا، ولتحويل الخط المهجور بين سيركجي وقازلي تشيشمة إلى «خط فنّي»، لكن رئيس البلدية قادر طوباش لم يوقّعه، فلم يتمّ النقل.
وفي 12 آذار 2019 تقرّر استثمار ذلك الخط المهجور سكةً ومتنزهًا معًا، لحلّ مشكلة النقل لسكان أحياء مثل صماتيا وكومكابي، ومنحهم أماكن للتنزّه. فخُفّض الخط المزدوج إلى خط واحد، وحُوّلت المساحة الباقية إلى ممرات للمشي والدراجات. واستمر العمل نحو سنتين، واكتمل في 26 شباط 2024، فعادت القطارات إلى سيركجي بعد انقطاع دام 11 سنة، ضمن خط الترام T6 وخط السكة U3 بين سيركجي وقازلي تشيشمة. وبعودة السكة وصل قطار الشرق السريع التاريخي إلى المحطة من جديد.
المحطة اليوم
حُفظ مبنى المحطة على حاله الأصلية، وإن تغيّر ما حوله كثيرًا منذ 1890، فقد كانت يوم بنائها قريبة جدًا من البحر. وفيها منذ أيلول 2005 متحف السكك الحديدية في إسطنبول. ويقيم أتباع الطريقة المولوية فيها بانتظام حلقات للسماع يحضرها السيّاح وغيرهم.
وفي سنة 2024 وُقّع بروتوكول بين هيئة السكك الحديدية والمديرية العامة للممتلكات الثقافية والمتاحف، انتقلت بموجبه محطتا سيركجي وحيدر باشا إلى وزارة الثقافة والسياحة مدة 29 سنة، على أن يُنفّذ فيهما مشروع ثقافي فني بعنوان «قوة البوسفور الجامعة». وفي كانون الأول 2024 هُدم مقهى بجوار المحطة بحجة أنه مخالف، وفي صيف 2025 أُخلي المطعم التاريخي والمقهى داخل المحطة، وأُغلقت قاعاتها التاريخية للترميم، فكان الإخلاء ومناقصة الترميم موضع انتقاد لدى جانب من الرأي العام.
وتخدم المحطة اليوم قطارات الخط U3 بين سيركجي وقازلي تشيشمة. وعلى مقربة منها الترام T1، وعبّارات سيركجي إلى قابطاش، والحافلات البحرية إلى بوستانجي وجزر الأميرات، وعبّارة السيارات إلى حرم، وعلى بعد 200 متر إمينونو وعبّاراتها إلى قاضي كوي وأسكودار. وفي جوارها مبنى البريد الكبير، وسبيل المرادية، وحديقة غولهانه، ومتحف تاريخ العلوم والتكنولوجيا في الإسلام، ومتاحف إسطنبول الأثرية، وقصر طوب قابي، وآيا صوفيا.
بطاقة المكان
- الاسم: محطة سيركجي Sirkeci Garı، وتُسمّى محطة إسطنبول İstanbul Garı
- النوع: محطة قطارات طرفية تاريخية ومركز ثقافي
- البناء: المحطة الأولى 1872، والمبنى الحالي بين 11 شباط 1888 و3 تشرين الثاني 1890، في عهد السلطان عبد الحميد الثاني
- الباني والمعمار: شركة سكك الحديد الشرقية، بتصميم المعماري البروسي أوغست ياسموند
- الطراز: الاستشراق الأوروبي
- المكان: حيّ سيركجي، منطقة الفاتح
- اليوم: محطة لخط U3 بين سيركجي وقازلي تشيشمة، وفيها متحف السكك الحديدية، وتتبع وزارة الثقافة والسياحة
- التراث والترميم: جُدّدت سنة 1955، وعادت إليها القطارات في 26 شباط 2024، وأُغلقت قاعاتها التاريخية للترميم سنة 2025

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.