بطريركية الأرمن في إسطنبول وكنيسة السيدة العذراء في كومكابي

بطريركية الأرمن في القسطنطينية كرسيّ مستقل للكنيسة الأرمنية الرسولية، أُسّست سنة 1461 بعد فتح القسطنطينية، ومقرها كنيسة السيدة العذراء البطريركية، «سورب أسدفادزادزين»، في حي كومكابي بمنطقة الفاتح. قادت أرمن الدولة العثمانية دينًا ودنيا قرونًا، وعاشت أحداث 1896 و1915، ولا تزال المرجع الروحي لأرمن تركيا، أكبر جماعة مسيحية في البلاد اليوم.
في زقاق ضيق من كومكابي تتقابل كنيسة السيدة العذراء ومقر البطريركية التي أسّسها السلطان محمد الفاتح للأرمن سنة 1461.
البطريركية وكنيستها في كومكابي
بطريركية الأرمن في القسطنطينية İstanbul Ermeni Patrikhanesi، وتُعرف أيضًا ببطريركية الأرمن في إسطنبول، كرسيّ مستقل ذاتيًا من كراسي الكنيسة الأرمنية الرسولية، وهي اليوم المرجعية الدينية لأرمن تركيا.
مقر البطريرك هو كنيسة السيدة العذراء البطريركية، واسمها الأرمني «سورب أسدفادزادزين» Surp Asdvadzadzin Patriklik Kilisesi، أي «القديسة والدة الإله»، وتُسمّى بالتركية «كنيسة القديسة مريم الأم البطريركية». وتقع في حي كومكابي بمنطقة الفاتح في إسطنبول القديمة، على زقاق شرابنل Şarapnel Sokağı، وتقابلها مباشرة في الزقاق نفسه مكاتب البطريركية. وإلى جانب الكنيسة مدرسة بزجيان الأرمنية الابتدائية.
والبطريركية من أصغر الكنائس الأرثوذكسية المشرقية، لكنها أدّت دورًا سياسيًا بالغ الأهمية، ولا تزال تمارس سلطة روحية. وهي تعترف بأولوية كاثوليكوس جميع الأرمن في إتشميادزين بأرمينيا، المركز الروحي والإداري للكنيسة الأرمنية، في الشؤون التي تخص الكنيسة الأرمنية الرسولية في العالم، أما في شؤونها المحلية فهي مستقلة.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.0045, 28.9612. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
قبل الفتح: كنيستان متخاصمتان
في العهد البيزنطي لم يكن يُسمح للكنيسة الأرمنية الرسولية بالعمل في القسطنطينية، لأن الكنيستين الأرمنية والأرثوذكسية كانت كل منهما تعدّ الأخرى مبتدعة.
وكان أصل هذا الانقسام رفض الكنائس الأرثوذكسية المشرقية، ومنها الكنيسة الأرمنية، لقرارات مجمع خلقيدونية، في حين قبلته الكنيسة البيزنطية وسائر الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

التأسيس سنة 1461
بعد فتح القسطنطينية (1453) سمحت الدولة العثمانية لبطريركية الروم الأرثوذكس بالبقاء في المدينة، وطلب السلطان محمد الفاتح من الأرمن أن يقيموا كنيستهم الخاصة في العاصمة العثمانية الجديدة، في إطار نظام الملل. وأسكن السلطان الأرمن إسطنبول ليكونوا موازنًا للجماعة الرومية ويحول دون تمرد محتمل.
وكان أول بطريرك للأرمن في القسطنطينية هوفاكيم الأول، مطران بورصة يومئذ. ففي سنة 1461 أتى به السلطان محمد الفاتح إلى القسطنطينية ونصّبه بطريركًا للأرمن. واعتُرف به زعيمًا دينيًا ومدنيًا لجميع الأرمن في الدولة العثمانية، وحمل لقب «ملّت باشي»، أي رئيس الملّة، إلى جانب لقب البطريرك.
وخصّص السلطان للبطريركية الدير المائي Sulu Manastır في حي صماتيا Samatya، بعد أن أخذه من الروم، وتغيّر اسمه إلى «القديس غريغوريوس المنوّر» Surp Kirkor Lusavoriç، ووُضعت بعض كنائس الروم في المناطق التي كثر فيها الأرمن في خدمة الجماعة الأرمنية.
ومنذ ذلك الحين صارت البطريركية مؤسسة إدارية عليا في الدولة العثمانية، علت حتى على الكاثوليكوس الأرمني. وكانت الجماعة السريانية الأرثوذكسية في الدولة العثمانية تابعة هي أيضًا للملّة الأرمنية حتى سنة 1882.

من صماتيا إلى كومكابي: البطريركية والحرائق
انتقلت البطريركية لاحقًا من صماتيا إلى حي كومكابي، وهو حي اشتهر بحرائقه، فاحترق مبنى البطريركية مرات كثيرة على مرّ تاريخه.
وبعد آخر الحرائق في خمسينيات القرن التاسع عشر صار المبنى غير صالح للاستعمال تمامًا، فأعاد بناء كنيسة البطريركية ومبانيها الإدارية كازاز أرتين أميرا بزجيان، صائغ السلطان محمود الثاني الأول وكبير مستشاريه.
أما تاريخ بناء كنيسة السيدة العذراء فغير معروف على وجه الدقة، وقد مرّت بحرائق عدة، ورُمّمت آخر مرة سنتي 1902 و1985.

العهد العثماني: الدستور والنفي
خدمت البطريركية أرمن الدولة العثمانية بسلسلة متصلة من البطاركة في القسطنطينية. غير أن الأرمن، مثل بطريركية الروم، عانوا كثيرًا من تدخل الدولة في شؤونهم الداخلية. ومنذ سنة 1461 تعاقب على الكرسي 115 عهدًا بطريركيًا، تولّاها 84 بطريركًا فقط، إذ تولّى بعضهم أكثر من مرة.
وفي سنة 1861 منح السلطان عبد العزيز الأرمن المقيمين في الدولة العثمانية دستورًا قوميًا يُعرف بالأرمنية «صهماناتروتيون».
وفي سنة 1896 عزل السلطان عبد الحميد الثاني البطريرك ماتيوس الثالث إزميرليان ونفاه إلى القدس، لأنه ندّد بجرأة بمذبحة سنة 1896، وعلّق السلطان الدستور الذي كان ينظّم شؤون الأرمن.

1908–1922: عودة الدستور وأحداث 1915
في سنة 1908، حين خلع الاتحاديون (تركيا الفتاة) السلطان عبد الحميد الثاني، سُمح للبطريرك ماتيوس الثالث إزميرليان بالعودة إلى إسطنبول، وأعادت الإدارة الجديدة العمل بالدستور. وعرف الأرمن في المرحلة الأولى من حكم الاتحاديين فترة قصيرة استعادوا فيها حرياتهم المدنية، بين 1908 و1915.
وفي سنة 1915 تعرّض الأرمن لمحنة كبيرة في ظل إدارة الاتحاديين. ويُعزى ذلك في المصادر الإنجليزية إلى رغبة الحكومة في أن يكون سكان البلاد متجانسين دينيًا، وربما إلى خشية من صلة الأرمن بروسيا التي كانت الدولة في حرب معها. فنزلت بالجماعة الأرمنية في تركيا خسائر فادحة بالترحيل الجماعي والقتل.
وقد صارت هذه الأحداث تُعرف باسم «الإبادة الجماعية للأرمن»، ولم تعترف تركيا بها، وهو ما ظل مصدر ألم كبير للأرمن في العالم منذ قرن. وتذكر المصادر نفسها أن نحو مليوني أرمني كانوا يعيشون في تركيا قبل 1915، وأن عددهم سنة 2015 كان أقل من 100,000.
وفي تلك الظروف بقي منصب البطريرك شاغرًا من 1915 إلى 1919، وألغى مجلس الوزراء المنصب في 28 تموز 1916. ثم أُعيد مدة قصيرة من 1919 إلى 1922، تولّاه فيها البطريرك زافين الأول دير يغيايان. وأسّست البطريركية لإغاثة الناجين لجنة لإغاثة الأيتام ولجنة مركزية للمرحّلين، وشاركت في تأسيس بعثة الإغاثة الوطنية.

في الجمهورية التركية
مع التراجع الكبير في عدد أتباعها بقيت البطريركية الرأس الروحي لأكبر جماعة مسيحية تعيش في تركيا اليوم. ويُعترف بالبطريرك الأرمني رئيسًا للكنيسة الأرمنية الرسولية في تركيا، ويُدعى إلى المراسم الرسمية للدولة.
وقد تولّى المنصب خمسة بطاركة منذ قيام الجمهورية التركية. وفي سنة 2010 اختار مجمع البطريركية، بأصوات 25 من أعضائه الستة والعشرين، آرام آتشيان نائبًا عامًا للبطريرك، بسبب مرض البطريرك مسروب الثاني موتافيان. وانتقد بعض أبناء الجماعة الأرمنية في تركيا هذه الخطوة، وطالبوا بانتخاب بطريرك جديد بالاقتراع العام، ويُقدَّر عدد من يحق لهم التصويت في مثل هذا الانتخاب بنحو 20 ألفًا.
وفي 26 تشرين الأول 2016 قرر المجمع إحالة البطريرك مسروب الثاني إلى التقاعد وتنظيم انتخاب بطريرك جديد. وبعد وفاة مسروب الثاني انتُخب رئيس الأساقفة ساهاك الثاني مشاليان بطريركًا لإسطنبول سنة 2019.

ترميم المقر في عهد موتافيان
في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين صار مبنى البطريركية غير صالح للاستعمال، فرُمّم في عهد البطريرك مسروب موتافيان بتبرعات من أبناء الجماعة.
وفي سنة 2005 منح البطريرك موتافيان المتبرعين لترميم المبنى «وسام الاستحقاق البطريركي». ويجد الزائر اليوم في زقاق شرابنل بكومكابي الكنيسة البطريركية ومقر البطريركية متقابلين، ومعهما مدرسة بزجيان، قلبًا لحياة أرمن إسطنبول الدينية.

بطاقة المكان
- الاسم: بطريركية الأرمن في إسطنبول İstanbul Ermeni Patrikhanesi، وكنيستها كنيسة السيدة العذراء البطريركية Surp Asdvadzadzin Patriklik Kilisesi
- النوع: مقر بطريركي وكنيسة أرمنية رسولية
- البناء: البطريركية أُسّست سنة 1461 في عهد السلطان محمد الفاتح؛ تاريخ بناء الكنيسة غير معروف على وجه الدقة
- الباني والمعمار: السلطان محمد الفاتح نصّب أول بطريرك، هوفاكيم الأول؛ أعاد بناء الكنيسة والمقر بعد حرائق القرن التاسع عشر كازاز أرتين أميرا بزجيان
- المكان: زقاق شرابنل، حي كومكابي، منطقة الفاتح
- اليوم: مقر بطريرك الأرمن في تركيا، وكنيسة عاملة للكنيسة الأرمنية الرسولية
- التراث والترميم: رُمّمت الكنيسة سنتي 1902 و1985، ورُمّم مبنى البطريركية في عهد مسروب موتافيان

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.