السياحة في اسطنبول

كنيسة آيا إيريني: أقدم كنائس إسطنبول في فناء قصر طوب قابي

كنيسة آيا إيريني: أقدم كنائس إسطنبول في فناء قصر طوب قابي

آيا إيريني، أي «السلام المقدّس»، كنيسة أرثوذكسية شرقية سابقة في الفناء الخارجي لقصر طوب قابي قرب آيا صوفيا، وهي أقدم كنيسة معروفة في المدينة. احترقت في ثورة نيكا سنة 532 وأعاد جستنيان الأول بناءها سنة 548، وبعد 1453 صارت مخزنًا للسلاح ثم متحفًا عسكريًّا، وهي اليوم متحف وقاعة للحفلات الموسيقية.

في الفناء الأول لقصر طوب قابي كنيسة بيزنطية لم تصر مسجدًا قط، بل صارت مخزن سلاح للإنكشارية، ثم أول متحف في البلاد، ثم قاعة للموسيقى تُعزف فيها حفلات مهرجان إسطنبول.

كنيسة في الفناء الأول لقصر طوب قابي

آيا إيريني Aya İrini، واسمها اليوناني يعني «السلام المقدّس»، كنيسة أرثوذكسية شرقية سابقة تقع في الفناء الخارجي، أي الفناء الأول، من قصر طوب قابي في إسطنبول، على مقربة من آيا صوفيا التي عاصرتها، في حيّ السلطان أحمد من منطقة الفاتح.

وهي أقدم بناء كنسي معروف في المدينة، وواحدة من كنيستين بيزنطيتين فقط ما زالتا قائمتين في إسطنبول ولم تتحوّلا إلى مسجد، والأخرى كنيسة القديسة مريم المغولية. ويعود ذلك إلى أنّها بقيت داخل أسوار القصر العثماني واستُعملت مخزنًا للسلاح حتى القرن التاسع عشر، فلم يطرأ على عمارتها تغيير كبير. وهي اليوم متحف وقاعة للحفلات الموسيقية.

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.00972, 28.98111. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

الاسم: واحدة من ثلاث كنائس لصفات الله

كُرّست الكنيسة لسلام الله، وهي واحدة من ثلاثة مزارات خصّصها الأباطرة لصفات الله: آيا صوفيا للحكمة، وآيا إيريني للسلام، وآيا ديناميس للقدرة.

وكان البيزنطيون يصفون آيا إيريني بأنّها كنيسة البطريركية، إذ كانت مقرّ البطريركية قبل أن تكتمل آيا صوفيا.

الأجزاء العليا من كنيسة آيا إيريني وقبّتها فوق أشجار الفناء الأول لقصر طوب قابي، أيلول 2006
الأجزاء العليا من كنيسة آيا إيريني وقبّتها فوق أشجار الفناء الأول لقصر طوب قابي، أيلول 2006Dosseman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الكنيسة الأولى في عهد قسطنطين

يُروى أنّ البناء يقوم في موضع معبد أقدم من المسيحية، وتذكر المصادر القديمة أنّه أُقيم مستفيدًا من بقايا معابد رومانية لأرتميس وأفروديت وأبولو كانت في الموضع. وتُعدّ آيا إيريني أوّل كنيسة اكتمل بناؤها في القسطنطينية، قبل آيا صوفيا، في المرحلة التي تحوّلت فيها المدينة من مستعمرة تجارية يونانية إلى العاصمة الشرقية للإمبراطورية الرومانية.

وبحسب تقليد لاحق، يخالفه بعض الباحثين، أمر الإمبراطور قسطنطين الأول (قسطنطين الكبير) ببناء كنيسة آيا إيريني الأولى في القرن الرابع، واكتملت قبل نهاية عهده سنة 337. ويُعتقد أنّ التابوت المصنوع من الرفير الأرجواني الذي كان في فناء الكنيسة ربما كان مثوى قسطنطين بعد وفاته.

وكانت الكنيسة مقرّ البطريركية حتى اكتملت آيا صوفيا سنة 360 في عهد الإمبراطور قسطنطيوس الثاني. وفي عهده كانت المدينة قد امتلأت بالمؤسسات العامة والسياسية، من مبنى لمجلس الشيوخ ومكتبات وحمّامات وكنائس، وأخذت تثبت مكانتها مقرًّا حقيقيًّا للحكم.

جدار داخلي في آيا إيريني بأعمدته وأقواسه ونوافذه العلوية، تشرين الأول 2017
جدار داخلي في آيا إيريني بأعمدته وأقواسه ونوافذه العلوية، تشرين الأول 2017Carole Raddato · CC BY-SA 2.0 · ويكيميديا كومنز

ثورة نيكا سنة 532 وإعادة جستنيان

شهدت آيا إيريني واحدة من أشدّ الأحداث تدميرًا في تاريخ القسطنطينية، وهي ثورة نيكا سنة 532. فقد اندلعت أعمال شغب بعد سباق للعربات في مضمار سباق القسطنطينية، وكادت تُسقط الإمبراطور جستنيان الأول عن عرشه، ثم انتشرت في المدينة كلّها ودُمّر معظمها. وأُحرقت آيا إيريني في هذه الأحداث، ولا يُعرف لماذا استهدفها الثائرون، وإن كانت يومئذ مقرّ البطريركية، وقد جاءت الثورة بعد سنوات قليلة من حملة جستنيان على المخالفين لمذهب الدولة الديني.

وبعد الثورة أمر جستنيان الأول بإعادة بناء الكنيسة، واكتملت سنة 548، ضمن مشروع معماري واسع شمل الإمبراطورية كلّها، وأعاد في الوقت نفسه بناء آيا صوفيا التي هُدمت في الثورة ذاتها. وجاء تصميم الكنيسة الجديدة على طراز الكنائس ذات المخطّط المركزي الذي كان يتّسع انتشاره في ذلك العصر. وأُلحقت بالكنيسة دور لإيواء الفقراء والمرضى، وخصّص لها جستنيان أموالًا ثابتة لتبقى عاملة.

الفناء المسوّر (الأتريوم) من خلف الواجهة الزجاجية للرواق الأمامي، وفيه قطع حجرية أثرية، كانون الأول 2016
الفناء المسوّر (الأتريوم) من خلف الواجهة الزجاجية للرواق الأمامي، وفيه قطع حجرية أثرية، كانون الأول 2016Dosseman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

زلزال سنة 740 وترميم قسطنطين الخامس

في 20 تشرين الأول 740 ضرب القسطنطينية زلزال كبير، قبل وفاة الإمبراطور ليون الثالث بنحو ستة أشهر، فتضرّرت الكنيسة من جديد. وأمر الإمبراطور قسطنطين الخامس بترميمها، وزُيّن داخلها بالفسيفساء والرسوم الجدارية، وما زال بعض ما رُمّم في ذلك الوقت باقيًا إلى اليوم.

وقد جاء هذا الترميم في سنوات «حرب الأيقونات»، فخلّف في الكنيسة أثرًا فنّيًّا فريدًا من تلك المرحلة. وقد ألحقت الزلازل العنيفة في القرنين الثامن والتاسع بالبناء أضرارًا كبيرة.

الصحن الداخلي لآيا إيريني بأقواسه ونوافذ رواقه العلوي، وقد صُفّت فيه المقاعد لحفل موسيقي
الصحن الداخلي لآيا إيريني بأقواسه ونوافذ رواقه العلوي، وقد صُفّت فيه المقاعد لحفل موسيقيQuartierLatin1968 · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

بعد 1453: مخزن السلاح

بعد فتح القسطنطينية (1453) على يد السلطان محمد الفاتح صارت الكنيسة داخل الأسوار التي أحاطت بقصر طوب قابي، والمعروفة بـ«السور السلطاني». واستعملها جيش الإنكشارية مخزنًا للسلاح يُسمّى «جبه خانه» Cebehane حتى سنة 1826، واستُعملت كذلك مستودعًا للمعدّات العسكرية ومكانًا تُحفظ فيه الأسلحة والشارات العسكرية التي غنمها العثمانيون، ثم صارت مستودع أسلحة لنظارة الحربية.

ولأنّها لم تُحوَّل إلى مسجد، حافظت على هيئتها البيزنطية دون تغيير معماري كبير.

صورة قديمة لداخل آيا إيريني وقبّتها وحنية مذبحها، نحو 1912
صورة قديمة لداخل آيا إيريني وقبّتها وحنية مذبحها، نحو 1912مؤلّف غير معروف · Public domain · ويكيميديا كومنز

أول متحف في البلاد

بدأت أولى أعمال المتاحف في تركيا في آيا إيريني. ففي عهد السلطان أحمد الثالث (1703–1730) جُمعت فيها قطع أُرسلت من أنحاء الدولة العثمانية في قسمين: «مجمع الأسلحة العتيقة» و«مجمع الآثار العتيقة»، وحُوّلت سنة 1726 إلى متحف عسكري.

وفي سنة 1846 جعلها ناظر الترسانة السلطانية المشير أحمد فتحي باشا متحفًا للأسلحة القديمة. ثم نُقل هذا المتحف سنة 1875 إلى الكشك المزخرف بالخزف (جينيلي كوشك). وفي سنة 1908 جُمعت فيها مواد تاريخية متنوعة لإنشاء متحف عسكري جديد، وبقيت متحفًا عسكريًّا من سنة 1908 حتى سنة 1978، حين سُلّمت إلى وزارة الثقافة التركية.

وبين سنتي 1974 و1976 أُزيلت أكوام التراب التي كانت تحيط بالبناء، لتخليصه من الرطوبة.

آيا إيريني وقبّتها بين الأشجار كما تُرى من برج غلطة، أيلول 2011
آيا إيريني وقبّتها بين الأشجار كما تُرى من برج غلطة، أيلول 2011José Luiz · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

العمارة: بازيليكا تحت قبّة

تُظهر إعادة البناء في عهد جستنيان تغييرًا في عمارة الفناء المسوّر (الأتريوم) والرواق الأمامي (النارثكس)، وقد بقيا سليمين بعد الزلزال. ومنح الترميم الذي تلا الزلزال الكنيسة أساسًا أمتن، بعد أن كانت تعاني مشكلات إنشائية كبيرة، وأوجد مخطّطًا صليبيًّا ذا قبّة في مستوى الأروقة العليا مع الإبقاء على مخطّط البازيليكا الأصلي في مستوى الأرض.

ويقع الرواق الأمامي في الغرب ويسبقه الفناء المسوّر، أمّا الحنية ففي الشرق. وما زالت الكنيسة تحتفظ بقبّتها، ولها سقوف مسنّمة في جهاتها الشمالية والغربية والجنوبية. ويبلغ عرض القبّة 15 مترًا وارتفاعها 35 مترًا، وفيها عشرون نافذة. وللكنيسة شكل البازيليكا الرومانية المعتاد: صحن أوسط وجناحان يفصل بينهما ثلاثة أزواج من الدعامات، وتحمل العقود نصف الدائرية المتّصلة بالتيجان الأروقة العليا.

وقد أُزيلت تيجان الأعمدة الأصلية في إعادة بناء بيزنطية، ولم يُستعمل منها إلا عشرة في الفناء المسوّر، وعليها حروف متشابكة تحمل اسمَي الزوجين الإمبراطوريين جستنيان وثيودورا ولقبيهما.

رسم لكنيسة آيا إيريني وقبّتها من الخارج نُشر في كتاب يوناني عن طوبوغرافيا القسطنطينية البيزنطية، 1877
رسم لكنيسة آيا إيريني وقبّتها من الخارج نُشر في كتاب يوناني عن طوبوغرافيا القسطنطينية البيزنطية، 1877Paspatēs, Alexandros Geōrgiou, 1814-1891. [from old catalog] · Public domain · ويكيميديا كومنز

ما يراه الزائر في الداخل: الصليب والمقاعد المتدرّجة

تغطّي الفسيفساء نصف قبّة الحنية وعقد المذبح، وتوجد رسوم جدارية في الجناح الجنوبي، وتعود الفسيفساء إلى نحو القرن الثامن. وأبرزها صليب من الفسيفساء محدّد بالأسود على أرضية ذهبية، تتّسع أطرافه وتنتهي بأشكال تشبه الدموع، ويمتدّ حول قاعدة نصف القبّة، وقد وُضع في إعادة البناء التي أمر بها قسطنطين الخامس في سنوات حرب الأيقونات.

وعلى عقد المذبح نقش من المزمور الرابع والستين، الآيتين الرابعة والخامسة، على الوجه الداخلي، ونقش من سفر عاموس، الإصحاح السادس الآية السادسة، على الوجه الخارجي، وعليهما آثار تعديلات. وتمدح النقوش الكنيسة بوصفها بيت الرب، وقد استُلهمت الآيات، ولا سيّما المزمور، في بعض فسيفساء آيا صوفيا.

وفي الحنية السينثرونون، وهو صفوف من المقاعد المبنية على شكل نصف دائرة يجلس عليها رجال الدين أثناء القدّاس الإلهي، وهو الوحيد الباقي في المدينة من العصر البيزنطي. وله ستّ درجات من المقاعد، وعلى جانبيه بابان يفتحان على ممرّ دائري تحت الدرجة الرابعة.

قاعة للموسيقى اليوم

تعمل آيا إيريني اليوم في الغالب قاعةً لحفلات الموسيقى الكلاسيكية، لما تتمتّع به من خصائص صوتية استثنائية وأجواء مهيبة. وقد استضافت منذ سنة 1973 كثيرًا من الفعاليات الفنية، ولا سيّما فعاليات مؤسسة إسطنبول للثقافة والفنون، وتُقام فيها منذ سنة 1980 كلّ صيف حفلات كثيرة من مهرجان إسطنبول الدولي للموسيقى.

وفي سنة 2000 قدّم فيها مصمّم الأزياء التركي فاروق ساراج عرضًا خاصًّا ضمّ 700 قطعة مستوحاة من سلاطين الدولة العثمانية، منها أردية 36 سلطانًا من عثمان غازي مؤسّس الدولة إلى آخر سلاطينها محمد السادس، ورافقته الموسيقى وسيرة السلاطين وعروض من الرقص العثماني.

وظلّت الكنيسة سنوات طويلة لا تُدخل إلا في المناسبات أو بإذن خاص، ثم فُتحت متحفًا للجمهور منذ كانون الثاني 2014.

بطاقة المكان

  • الاسم: آيا إيريني Aya İrini
  • النوع: كنيسة بيزنطية سابقة، متحف وقاعة حفلات
  • البناء: الكنيسة الأولى في القرن الرابع في عهد قسطنطين الأول، وأعاد جستنيان الأول بناءها سنة 548، ورمّمها قسطنطين الخامس بعد زلزال 740
  • الباني والمعمار: قسطنطين الأول بحسب التقليد، ثم جستنيان الأول
  • الطراز: بازيليكا بيزنطية ذات قبّة
  • المكان: الفناء الأول لقصر طوب قابي، حيّ السلطان أحمد، منطقة الفاتح
  • اليوم: متحف وقاعة للحفلات الموسيقية، سُلّمت إلى وزارة الثقافة التركية سنة 1978

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo