أسوار القسطنطينية: الأسوار البرية والبحرية التي حمت المدينة ألف عام

أسوار القسطنطينية سلسلة من الأسوار الحجرية أحاطت بالمدينة منذ أسّسها قسطنطين الكبير عاصمة جديدة، وأشهرها السور البري المزدوج الذي بُني في عهد ثيودوسيوس الثاني في القرن الخامس، والأسوار البحرية على بحر مرمرة والقرن الذهبي. كانت آخر نظام تحصين عظيم في العصور القديمة، وحمت المدينة من حصارات كثيرة حتى فتح القسطنطينية (1453)، وبقي كثير منها قائمًا في منطقة الفاتح.
من برج الرخام على بحر مرمرة إلى قصر تكفور يمتدّ سور مزدوج بخندقه نحو ستّة كيلومترات، صدّ الآفار والفرس والعرب والروس والبلغار، وصمد لمدافع 1453 سبعة أسابيع، وما زال يشقّ إسطنبول من جنوبها إلى القرن الذهبي.
سور يعبر المدينة من البحر إلى القرن الذهبي
أسوار القسطنطينية Konstantinopolis Surları سلسلة من الأسوار الدفاعية الحجرية أحاطت بمدينة القسطنطينية، وهي منطقة الفاتح في إسطنبول اليوم، وحمتها منذ أسّسها قسطنطين الأول (قسطنطين الكبير) عاصمة جديدة للإمبراطورية الرومانية. وقد أُضيف إليها وعُدّل فيها كثيرًا عبر تاريخها، فكانت آخر نظام تحصين عظيم في العصور القديمة، ومن أعقد أنظمة التحصين وأتقنها في التاريخ.
وكانت الأسوار تحيط بالمدينة من جهاتها كلّها: من البرّ في الغرب، ومن البحر على شاطئ بحر مرمرة جنوبًا والقرن الذهبي شمالًا. وأشهرها أسوار ثيودوسيوس البرية المزدوجة التي تمتدّ اليوم نحو 5.7 كيلومتر من الجنوب إلى الشمال، من «برج الرخام» Mermer Kule على شاطئ بحر مرمرة إلى محيط قصر تكفور في حيّ بلاخيرنا، يصحبها على طول مسارها حزام من الحدائق، وتقطعها على مسافات الطرق الحديثة الخارجة من المدينة غربًا.
وقد أنقذت هذه الأسوار المدينة، ومعها الإمبراطورية البيزنطية، في حصارات الآفار والفرس الساسانيين، والعرب، والروس، والبلغار وغيرهم. وحين كانت مزوّدة بما يكفي من الرجال كانت شبه منيعة على أيّ محاصر في العصور الوسطى، وبقيت نافعة حتى بعد ظهور مدافع البارود.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.01806, 28.92333. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
أسوار بيزنطة القديمة وسور قسطنطين
تقول الرواية التقليدية إنّ مستوطنين يونانيين من مدينة ميغارا بقيادة بيزاس أسّسوا بيزنطة نحو سنة 658 ق.م حول قلعة على التلّ الشرقي، في موضع قصر طوب قابي اليوم. وكان يحيط بها سور صغير له سبعة وعشرون برجًا، يرى الباحث الفرنسي ريمون جانين أنّه يعكس حال المدينة بعد أن أعاد بناءها القائد الإسبرطي بوسانياس الذي استولى عليها سنة 479 ق.م. ويُعرف أنّ هذا السور رُمّم بشواهد القبور سنة 340 ق.م بقيادة رجل اسمه ليون، لصدّ هجوم فيليب الثاني المقدوني.
وفي العصر الروماني ناصرت بيزنطة بيسكينيوس نيجر في حربه على الإمبراطور سبتيموس سيفيروس، فصمدت أمام جيشه ثلاث سنوات حتى سنة 196، ويروي المؤرخ كاسيوس ديو أنّ أهلها رموا المحاصرين بالتماثيل البرونزية حين نفدت قذائفهم. فهدم سيفيروس أسوارها وجعلها قرية، ثم أعاد بناءها لما رآه من أهمية موقعها، وأحاطها بسور جديد إلى الغرب من القديم بنحو 300 إلى 400 متر.
ثم أعاد قسطنطين الكبير بناء المدينة بين سنتي 324 و336، ودشّنها في 11 أيار 330 باسم «روما الجديدة»، وأحاطها بسور واحد تعزّزه أبراج، على بعد نحو 2.8 كيلومتر غرب سور سيفيروس. وبدأ بناؤه سنة 324 واكتمل في عهد ابنه قسطنطيوس الثاني، وكان يبدأ من القرن الذهبي قرب جسر أتاتورك اليوم وينتهي على ساحل بحر مرمرة. وقد تضرّر في زلزال 26 كانون الثاني 447، وحين رُمّم لصدّ أتيلا قدّم فريقا السباق، الزرق والخضر، ستة عشر ألف رجل للعمل فيه. ولم يبقَ منه إلا آثار، وفي سنة 2018 كشفت أعمال بناء مركز النقل في يني قابي جزءًا من أساساته.

أسوار ثيودوسيوس: البناء في ستين يومًا
بُنيت أسوار ثيودوسيوس المزدوجة على بعد نحو كيلومترين غرب سور قسطنطين، في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني الذي تحمل اسمه. وجرى العمل على مرحلتين: الأولى في صغر الإمبراطور بإشراف أنثيميوس، الحاكم البريتوري للشرق، واكتملت سنة 413 بحسب قانون في «المدوّنة الثيودوسية»، وإن كان نقش اكتُشف سنة 1993 يذكر أنّ العمل استمرّ تسع سنوات، أي أنّه بدأ نحو سنة 404 أو 405 في عهد الإمبراطور أركاديوس. وكانت هذه المرحلة سورًا واحدًا بأبراج، هو اليوم السور الداخلي.
وفي زلزالين في 25 أيلول 437 و6 تشرين الثاني 447 تضرّرت الأسوار ضررًا شديدًا، ودمّر الزلزال الثاني أجزاء كبيرة منها بينها 57 برجًا، ثم زادت الزلازل التالية، ومنها زلزال كبير في كانون الثاني 448، الخراب. وكان أتيلا ملك الهون حينئذ في البلقان يهدّد المدينة، فأمر ثيودوسيوس الثاني الحاكم البريتوري قسطنطين بالإشراف على الترميم، واستُعين بفرق سباق العربات، فرُمّمت الأسوار في ستين يومًا فقط بحسب المؤرّخين البيزنطيين وثلاثة نقوش وُجدت في مواضعها. ويرى أكثر الباحثين أنّ السور الخارجي والخندق الواسع أُضيفا في هذا التاريخ، وقد يكون السور الخارجي جزءًا من التصميم الأصلي.
وتضرّرت الأسوار على مرّ القرون بالزلازل وفيضانات نهر ليكوس، ورُمّمت مرّات كثيرة تشهد عليها نقوش تذكر الأباطرة ورجالهم. وكان يتولّى الترميم موظّف يُسمّى «دومستيكوس الأسوار» أو «كونت الأسوار» يستعين بأهل المدينة. وبعد الغزو اللاتيني سنة 1204 أُهملت الأسوار، ولم تملك الدولة البيزنطية بعد 1261 من الموارد ما يكفي لصيانتها إلا عند الخطر المباشر.

بنية السور: سوران وخندق
تتألّف أسوار ثيودوسيوس من السور الداخلي أو «السور الكبير»، يفصله عن السور الخارجي الأقلّ ارتفاعًا ممرّ يُسمّى «البيريبولوس»، ثم مصطبة خارجية بين السور الخارجي والخندق. والسور الداخلي بناء متين بسمك 4.5 إلى 6 أمتار وارتفاع 12 مترًا، واجهته من كتل الحجر الجيري المنحوتة بعناية وقلبه من ملاط الكلس والآجرّ المسحوق، تخترقه سبعة إلى أحد عشر شريطًا من الآجرّ بسمك نحو 40 سنتيمترًا، تزيّنه وتربط الواجهة بالقلب وتزيد مقاومته للزلازل.
ويعزّز السور الداخلي 96 برجًا، أكثرها مربّع وبعضها مثمّن، وثلاثة سداسية وواحد مخمّس، ارتفاعها 15 إلى 20 مترًا وعرضها 10 إلى 12 مترًا، وأكثر المسافات بينها بين 40 و60 مترًا. ولكلّ برج سطح بشرفات، وفي داخله غرفتان لا تتّصلان: السفلى للتخزين وتفتح على المدينة، والعليا يُدخل إليها من ممشى السور ولها نوافذ للمراقبة والرمي.
أمّا السور الخارجي فسمكه عند قاعدته متران وارتفاعه 8.5 إلى 9 أمتار، وله أبراج في منتصف المسافات بين أبراج السور الداخلي، بقي منها 62 برجًا. وكان هذا السور حصنًا قائمًا بذاته، ففي حصاري 1422 و1453 تركّز دفاع البيزنطيين وحلفائهم عليه، لأنّهم كانوا أقلّ من أن يحموا الخطّين معًا. وكان الخندق على بعد نحو 20 مترًا من السور الخارجي، بعرض يزيد على 20 مترًا وعمق يصل إلى 10 أمتار، وعلى حافّته الداخلية جدار بشرفات ارتفاعه متر ونصف.
وكان أضعف أجزاء السور ما يُسمّى «الميسوتيخيون» أي «السور الأوسط»، في وادي نهر ليكوس، حيث ينحدر السور من باب القديس رومانوس إلى أدنى نقطة فيه على ارتفاع 35 مترًا، ثم يصعد إلى باب أدرنة قابي على ارتفاع 76 مترًا. وقد سجّل كتاب جغرافي صيني من القرن السادس عشر أنّ لهذه المدينة سورين.

الباب الذهبي وحصن الأبراج السبعة
كان في السور تسعة أبواب رئيسية تخترق السورين معًا، وعدد من الأبواب الصغيرة. وأوّلها من الجنوب الباب الذهبي Altınkapı، مدخل العاصمة الرسمي الذي كان الأباطرة يدخلون منه في مواكب النصر والتتويج. وقد بُني من كتل الرخام الأبيض المصقول دون ملاط على هيئة قوس نصر بثلاث فتحات، الوسطى أكبرها، تحفّ به برجان مربّعان كبيران، وكان يعلوه تمثال لثيودوسيوس الأول على عربة تجرّها الفيلة، سقط في زلزال 740. وحمل نقشًا لاتينيًّا بحروف معدنية يقول إنّ ثيودوسيوس زيّن هذه المواضع بعد سقوط الطاغية، وجاء بعصر ذهبي حين بنى الباب من ذهب.
وآخر مرّة دخل فيها إمبراطور من الباب الذهبي في موكب نصر كانت يوم دخل ميخائيل الثامن باليولوغوس المدينة في 15 آب 1261 بعد استعادتها من اللاتين. وحوّل يوحنّا السادس كانتاكوزينوس الباب إلى حصن منيع قادر على خزن المؤن ثلاث سنوات، ثم أعاد يوحنّا الخامس بناءه وتوسيعه سنتي 1389–1390، فلجأ إليه حين ثار عليه حفيده يوحنّا السابع وصمد فيه أشهرًا. وفي سنة 1391 أجبره السلطان بايزيد الأول على هدم الحصن مهدّدًا بسمل عيني ابنه مانويل الأسير عنده، وحاول يوحنّا الثامن إعادة بنائه سنة 1434 فمنعه السلطان مراد الثاني. وتقول إحدى الأساطير اليونانية عن سقوط المدينة إنّ ملاكًا أنقذ الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر وحوّله إلى رخام في مغارة قرب الباب الذهبي ينتظر أن يعود.
وبعد فتح القسطنطينية (1453) بنى السلطان محمد الفاتح هنا سنة 1458 حصنًا جديدًا، فأضاف ثلاثة أبراج كبيرة إلى أربعة أبراج قائمة في السور الداخلي، فصار حصن الأبراج السبعة (يدي كولة)، الذي استُعمل في العهد العثماني خزانةً ودارًا للمحفوظات وسجنًا للدولة، وفيه قُتل السلطان عثمان الثاني على أيدي الإنكشارية سنة 1622، وصار متحفًا سنة 1895.

أبواب لها تاريخ
باب بلغراد Belgrat Kapısı، وهو باب «كسيلوكيركوس» البيزنطي، سدّه الإمبراطور إسحاق الثاني أنجيلوس سنة 1189 لأنّ نبوءة قالت إنّ الإمبراطور الغربي فريدريك بربروسا سيدخل المدينة منه، ثم فُتح سنة 1346، وأُغلق قبل حصار 1453 وبقي مغلقًا حتى سنة 1886، فعُرف في أوّل العهد العثماني بـ«الباب المغلق».
وباب سيليفري Silivrikapı، أو «باب الينبوع» نسبة إلى دير «الينبوع واهب الحياة» خارج الأسوار في بالقلي، منه دخلت قوّات إمبراطورية نيقية بقيادة القائد ألكسيوس ستراتيغوبولوس واستعادت المدينة من اللاتين في 25 تموز 1261، وعلى برجه الجنوبي نقش ترميم مؤرّخ بسنة 1439 في عهد يوحنّا الثامن. أمّا باب ريغيون، وهو يني مولوي خانه قابي، فأحسن الأبواب حفظًا، ولا يزال في هيئته الأصلية من القرن الخامس تقريبًا.
وباب القديس رومانوس يُعرف بالتركية طوب قابي Topkapı، أي «باب المدفع»، نسبة إلى المدفع العثماني الكبير «الباسيليك» الذي نُصب قبالته في حصار 1453، وبوّابته بطول 26.5 مترًا ثاني أكبر الأبواب بعد الباب الذهبي. وباب خاريسيوس، أي أدرنة قابي Edirnekapı، ثاني الأبواب أهمية بعد الباب الذهبي، يقوم على التلّ السادس، أعلى نقاط المدينة القديمة، وفيه أقام قسطنطين الحادي عشر مقرّ قيادته سنة 1453، ومنه دخل السلطان محمد الفاتح المدينة دخول المنتصر.

حصار 1453 وفتح القسطنطينية
كانت الأسوار البرية قد صمدت قبل ذلك لمدافع العثمانيين في حصار 1422، حين قصفت المدافع ما بين الباب الذهبي وباب رومانوس دون أن تفتح فيه ثغرة. وفي سنة 1452 بنى السلطان محمد الفاتح قلعة روملي حصار على أضيق نقطة من البوسفور في أربعة أشهر ونيّف، استعدادًا للهجوم الأخير. وفي السنوات السابقة للحصار رُمّمت الأسوار البحرية بأموال قدّمها حاكم صربيا جورج برانكوفيتش.
ودام الحصار الأخير نحو شهرين، أي سبعة أسابيع، ولم تتمكّن المدفعية العثمانية في أيّ وقت منه من فتح ثغرة تُقتحم منها الأسوار، وكانت القسطنطينية يومئذ تُعدّ صاحبة أقوى تحصينات بين مدن أوروبا. وقاوم سور مانويل كومنينوس في بلاخيرنا الهجمات المتكرّرة والقصف الشديد، ومنه قصف مدفع أوربان الكبير، ومحاولات الحفر تحته. وعلى القرن الذهبي صُدّ هجوم عثماني عند باب بتريون.
وفي صباح 29 أيار 1453 تحقّق الاختراق الحاسم عند الباب العسكري الخامس شمال مجرى نهر ليكوس، ولذلك يُسمّى بالتركية «باب الهجوم» Hücum Kapısı أو «باب البرج المائي» Sulukulekapı. ويروي المؤرّخ البيزنطي دوكاس أنّ بابًا صغيرًا يُسمّى «كيركوبورتا» تُرك مفتوحًا سهوًا، فدخل منه نحو خمسين جنديًّا عثمانيًّا رفعوا رايتهم فوق السور الداخلي، فدبّ الذعر بين المدافعين. ولم تجد الحفريات دليلًا على باب مقابل في السور الداخلي، فربما كانت الرواية مأخوذة من أسطورة أقدم.
وبحسب الرواية الشائعة قُتل آخر أباطرة الروم قسطنطين الحادي عشر باليولوغوس في ذلك اليوم عند باب القديس رومانوس، ويرى بعض الباحثين أنّه قُتل قرب الباب العسكري الخامس حيث دار أشدّ القتال. وكان من أوائل ما أمر به السلطان محمد الفاتح بعد الفتح ترميم الأسوار. واستسلمت بعض البلدات المحصّنة في ضواحي المدينة، مثل سيليفري، بعد سقوط القسطنطينية نفسها.

أسوار بلاخيرنا وضريح الصحابي
تصل أسوار بلاخيرنا بين نهاية أسوار ثيودوسيوس عند قصر تكفور والسور البحري على القرن الذهبي، وهي أسوار مفردة بُنيت في عصور مختلفة لتحمي ضاحية بلاخيرنا، ارتفاعها بين 12 و15 مترًا، أسمك من أسوار ثيودوسيوس وأبراجها أكثر تقاربًا. وأشهرها سور الإمبراطور مانويل الأول كومنينوس الذي بناه لحماية قصر بلاخيرنا، مقرّ الأباطرة المفضّل منذ أواخر القرن الحادي عشر، ويمتدّ 220 مترًا بتسعة أبراج، وسمكه في أعلاه نحو 5 أمتار.
وفي هذا السور باب كبير هو إغري قابي Eğri Kapı، أي «الباب المعوجّ»، سُمّي بذلك لانعطاف الطريق أمامه حول قبر يُنسب إلى حضرة حافظ، أحد صحابة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، الذي تُوفّي هناك في أثناء الحصار العربي الأول للمدينة.
وبعده سجن أنيماس، ثم سور مزدوج: الخارجي بناه الإمبراطور ليون الخامس الأرمني سنة 813 لصدّ حصار خان البلغار كروم، والداخلي قوّاه الإمبراطور ثيوفيلوس بثلاثة أبراج سداسية جميلة، ويُنسب تقليديًّا إلى الإمبراطور هرقل الذي بناه بعد حصار الآفار والفرس سنة 626 ليحمي كنيسة العذراء في بلاخيرنا.
الأسوار البحرية: السلسلة والمرافئ
أحاطت الأسوار البحرية بالمدينة على بحر مرمرة والقرن الذهبي. وأوّل ذكر معروف لبنائها سنة 439، حين أُمر حاكم المدينة كيروس البانوبولي بإكمال الأسوار من جهة البحر، في السنة التي سقطت فيها قرطاجة بيد الوندال فظهر خطر بحري في المتوسط. وهي سور واحد أدنى من السور البري، وقد حُمي القرن الذهبي بـسلسلة ضخمة تحملها براميل عائمة، وضعها الإمبراطور ليون الثالث، يُربط طرفها ببرج أوجينيوس في سيركجي وطرفها الآخر ببرج كبير في غلطة صار قبوه لاحقًا «الجامع تحت الأرض». أمّا شاطئ مرمرة فحمته تياراته القوية، ولذلك، كما يذكر فيلاردوان، لم يهاجم الصليبيون المدينة من تلك الجهة.
وبعد فتح العرب سورية ومصر ظهر خطر بحري جديد، فجُدّدت الأسوار البحرية في أوائل القرن الثامن، ثم أعاد بناءها ميخائيل الثاني وخليفته ثيوفيلوس ورفعاها، بالتزامن مع استيلاء العرب على كريت، وتحمل اسم ثيوفيلوس نقوش أكثر من أيّ إمبراطور آخر. غير أنّ الأسوار البحرية كانت نقطة الضعف سنة 1204، إذ تسلّقها البنادقة بقيادة الدوج إنريكو داندولو عند باب بتريون على القرن الذهبي. ثم رفعها ميخائيل الثامن بعد 1261، وفي 12 شباط 1332 فتحت عاصفة كبيرة ثغرات فيها، وحفر يوحنّا السادس كانتاكوزينوس خندقًا أمام سور القرن الذهبي سنة 1351.
وكان سور القرن الذهبي بطول 5,600 متر وارتفاع نحو 10 أمتار، وفيه 16 بابًا بيزنطيًّا معروفًا، منها باب الفنار الذي سُمّي به الحيّ، وباب بلاط، وباب يني آيا قابي الذي بناه المعمار سنان سنة 1582. وكان الشاطئ الشمالي أكثر أجزاء المدينة اختلاطًا بالأجانب: فيه مركز التجارة، وللتجّار المسلمين فيه نُزُل خاصّ بهم فيه مسجد، ومنح الأباطرة منذ ألكسيوس الأول كومنينوس الجمهوريات البحرية الإيطالية أحياء تجارية بأرصفتها. وقد هُدم معظم هذا السور في سبعينيات القرن التاسع عشر عند مدّ سكّة الحديد.
أمّا سور مرمرة فبُني على حافّة الشاطئ تقريبًا، بارتفاع 12 إلى 15 مترًا وطول يقارب 8,460 مترًا، وفيه ثلاثة عشر بابًا و188 برجًا، ووُضعت أمامه صخور تكسر الموج. ومن أبوابه باب قصر بوكوليون الذي يُسمّى اليوم جاتلادي قابي، وباب كومكابي، وباب يني قابي، وباب صماتيا، وباب نارلي قابي قرب دير ستوديوس. وقد تضرّرت أجزاء منه عند شقّ جادة كينيدي الساحلية في سنتي 1956–1957، وكان قطار الضواحي بين سيركجي وحلقالي يسير بمحاذاته حتى سنة 2013.
من العهد العثماني إلى اليوم
حافظ العثمانيون على الأسوار سليمة في معظم عهدهم، وتضرّرت في زلزال إسطنبول سنة 1766. ثم بدأ هدم أجزاء منها في القرن التاسع عشر حين ضاقت حدود المدينة القديمة بسكّانها، ومع قلّة الصيانة بقي كثير منها قائمًا إلى اليوم.
وفي الثمانينيات رُمّمت أقسام كثيرة من الأسوار البرية بدعم مالي من اليونسكو، لكنّ برنامج الترميم انتُقد لأنّه أتلف شواهد تاريخية واهتمّ بالمظهر واستعمل مواد غير ملائمة. وظهر ذلك في زلازل 1999، حين انهارت الأقسام المرمَّمة وبقي البناء الأصلي تحتها سليمًا. وبسبب تلوّث المدينة وغياب ترميم شامل أدرج «صندوق الآثار العالمية» الأسوار سنة 2008 في قائمته للمواقع المئة الأكثر تعرّضًا للخطر في العالم.
واليوم يستطيع الزائر أن يسير بمحاذاة السور البري من يدي كولة على بحر مرمرة شمالًا عبر طوب قابي وأدرنة قابي حتى قصر تكفور وأيوان سراي على القرن الذهبي، فيرى الخندق الذي صار أرضًا زراعية، والسور الخارجي المنخفض، ووراءه السور الداخلي بأبراجه الضخمة وأشرطة الآجرّ التي تخترق حجارته.
بطاقة المكان
- الاسم: أسوار القسطنطينية Konstantinopolis Surları
- النوع: أسوار دفاعية بيزنطية برية وبحرية
- البناء: سور قسطنطين بين 324 وعهد قسطنطيوس الثاني؛ أسوار ثيودوسيوس نحو 404/405–413 في عهد ثيودوسيوس الثاني، ورُمّمت سنة 447؛ الأسوار البحرية منذ سنة 439
- الباني والمعمار: قسطنطين الأول، ثم الحاكم البريتوري أنثيميوس في عهد ثيودوسيوس الثاني
- الطراز: تحصينات رومانية بيزنطية من العصور القديمة المتأخّرة
- المكان: منطقة الفاتح، من يدي كولة على بحر مرمرة إلى أيوان سراي على القرن الذهبي
- اليوم: أسوار قائمة في معظمها يحفّها حزام من الحدائق، تقطعها الطرق الحديثة
- التراث والترميم: رُمّمت أقسام منها في الثمانينيات بدعم من اليونسكو؛ على قائمة صندوق الآثار العالمية للمواقع المهدّدة سنة 2008

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.