متحف فسيفساء القصر الكبير: أرضية بلاط الأباطرة في سوق أراسته

متحف فسيفساء القصر الكبير متحف صغير في سوق أراسته قرب ميدان السلطان أحمد، قام فوق بقايا فناء معمّد من قصر القسطنطينية الكبير كانت أرضيته كلّها مغطّاة بالفسيفساء. كشفت الأرضيةَ بعثات جامعة سانت أندروز بين 1935 و1954، وافتُتح المتحف سنة 1953، ثم أُعيد بناؤه بعد مشروع ترميم نمساوي تركي وفُتح من جديد سنة 1987.
تحت سوق أراسته خلف جامع السلطان أحمد تمتدّ أرضية فسيفساء من القصر الإمبراطوري البيزنطي، فيها صيّادون وأطفال يلعبون وفيل وأسد ومخلوقات مجنّحة، صُنعت من نحو ثمانين مليون قطعة صغيرة من الحجر والزجاج.
متحف في سوق أراسته
متحف فسيفساء القصر الكبير Büyük Saray Mozaikleri Müzesi متحف يقع في سوق أراسته Arasta Çarşısı قرب ميدان السلطان أحمد في منطقة الفاتح، ويضمّ فسيفساء من العصر البيزنطي كُشفت في موقع قصر القسطنطينية الكبير.
وقد بُني مبنى المتحف فوق بقايا جزء من القصر الكبير، هو فناء معمّد، أي فناء مكشوف تحيط به الأعمدة، كانت أرضيته مغطّاة بالفسيفساء، وهو الموضع الذي بُني فوقه لاحقًا سوق جامع السلطان أحمد. وفي المتحف الفسيفساء التي بقيت في مكانها الأصلي، ونُقلت إليه كذلك فسيفساء من أجزاء أخرى من الفناء.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.00444, 28.97667. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
القصر الكبير في سطور
حين أعاد قسطنطين الكبير تأسيس بيزنطة باسم القسطنطينية سنة 330 خطّط لنفسه قصرًا بين مضمار سباق القسطنطينية وآيا صوفيا. وصار القصر الكبير، ويُسمّى أيضًا «القصر المقدّس»، المقرّ الرئيسي لأباطرة الروم حتى سنة 1081 ومركز إدارة الإمبراطورية أكثر من 690 عامًا. وكان مجموعة من الأجنحة على منحدر ينزل نحو 33 مترًا من المضمار إلى شاطئ بحر مرمرة، موزّعة على ستّ مصاطب، ومساحة المجمّع كلّه نحو 16 هكتارًا.
دُمّر معظم القصر في ثورة نيكا سنة 532 فأعاد جستنيان الأول بناءه بسخاء، وكان قصر بوكوليون البحري جزءًا منفصلًا منه على الشاطئ، ثم انصرف الأباطرة منذ أوائل القرن الحادي عشر إلى قصر بلاخيرنا، ونُهب القصر في الحملة الصليبية الرابعة (1204). ولمّا دخل السلطان محمد الفاتح المدينة سنة 1453 وجده خرابًا مهجورًا. وفي العهد العثماني هُدم معظم ما بقي منه، وبنى السلطان أحمد الأول جامع السلطان أحمد وملحقاته فوق بقايا قصرَي دافني وكاثيسما.

الفناء المعمّد
كان الفناء المعمّد الذي تزيّن أرضيتَه هذه الفسيفساء جزءًا من القصر الكبير في جهته الجنوبية الغربية، وقد بُني على محور قريب من محور آيا صوفيا وآيا إيريني، ليتناسق مع هذين البناءين المهمّين في عصره. وكان يقوم مع مبانٍ أخرى على مصطبة صناعية فوق أقبية تحت الأرض، مساحتها نحو 4,000 متر مربع.
وتبلغ أبعاد الفناء 66.50 مترًا في 55.50 مترًا، أي 3,690.75 مترًا مربعًا. وكانت القاعات المحيطة به بعمق 9 أمتار، يحيط بها 10 في 12 من الأعمدة الكورنثية بارتفاع نحو 9 أمتار. وكانت الفسيفساء تغطّي أرضية الأروقة كلّها، على مساحة 1,872 مترًا مربعًا، فهي من أكبر تصاوير المناظر الطبيعية وأكثرها تنوّعًا ممّا بقي من العصور القديمة المتأخّرة.

تأريخ الفسيفساء
تُنسب الفسيفساء في الغالب إلى عهد الإمبراطور جستنيان الأول (527–565)، حين جُدّد الفناء وكُسيت أرضيته بها. وقد دار خلاف بين الباحثين في تاريخ صنعها، فأُجريت أثناء مشروع البحث ثلاثة أسبار في جزء سليم من الفسيفساء في القاعة الشمالية الشرقية، وأعطت النتيجة نفسها: أنّ الفسيفساء والفناء الجديد ذا الأعمدة بُنيا في وقت واحد.
ووُجدت في طبقة العزل تحت الفسيفساء كسر من جرار تُعرف بـ«جرار غزّة»، كانت تُنقل بها في أواخر القرن الخامس إلى أنحاء البحر المتوسط الخمورُ المصنوعة من عنب واحات صحراء النقب، ووُجدت معها كسر خزفية أخرى من الربع الأخير من القرن نفسه. فرُجّح أنّ الفسيفساء صُنعت في النصف الأول من القرن السادس، وعلى الأرجح بأمر جستنيان. غير أنّ تحليلًا أحدث يرجّح تاريخًا أبعد، في عهد الإمبراطور هرقل.

الكشف: من سانت أندروز إلى الأكاديمية النمساوية
كشف علماء آثار بريطانيون من جامعة سانت أندروز في اسكتلندا هذه الفسيفساء خلال حفريات واسعة في سوق أراسته بميدان السلطان أحمد بين سنتي 1935 و1938، ثم بين 1951 و1954، وكان من قادتها في الخمسينيات ديفيد تالبوت رايس. وكشفت الحفريات الفناءَ المعمّد الكبير ومبانيَ أخرى في المصطبة الوسطى من القصر.
وكان الجزء الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي والشمالي الغربي من الأروقة قد تضرّر كثيرًا بعد عهد جستنيان بسبب مبانٍ أُقيمت فوقه لاحقًا، ولم يُكشف من الفسيفساء إلا 250 مترًا مربعًا، أي نحو ثُمن مساحتها كلّها.
وافتُتح المتحف سنة 1953 تابعًا لمتاحف إسطنبول الأثرية، ثم أُلحق سنة 1979 بمتحف آيا صوفيا. وفي سنة 1982 عُقد اتفاق بين المديرية العامة للآثار والمتاحف في تركيا وأكاديمية العلوم النمساوية، فتولّت الأكاديمية بإشراف البروفيسور فيرنر يوبست دراسة الفسيفساء وحفظها وإجراء فحوص أثرية إضافية بين سنتي 1983 و1997.

إنقاذ الفسيفساء
لم تُتّخذ عند اكتشاف الفسيفساء تدابير خاصّة لحمايتها، فصُبّت قطع الأروقة الجنوبية الغربية والشمالية الغربية في ألواح من الخرسانة، وتُرك جزء القاعة الشمالية الشرقية في مكانه تحت مبنى خشبي مؤقّت. وبحلول سنة 1980 كانت الفسيفساء قد بلغت من التلف بفعل العبث والرطوبة والأملاح حدًّا لا يمكن معه ترميمها في مكانها. وأُغلق المتحف سنة 1979 بعد أن ظهرت عيوب كبيرة في سقف المبنى الخشبي.
فأُلصقت الفسيفساء بقماش خاصّ بمادّة لاصقة مرنة تُزال دون أثر، وقُطّعت إلى 338 قطعة بمساحة نصف متر إلى متر مربع، على خطوط حدود الصور أو في المواضع الناقصة أصلًا. وفي ورشة مؤقتة أُقيمت في آيا إيريني نُظّفت بقايا الملاط القديم عن ظهرها، ولُصق خلفها هيكل خفيف من خلايا الألمنيوم ورقائق الراتنج الصناعي، وهي تقنية مستعارة من صناعة الطائرات.
ونُظّف السطح من طبقة التآكل والأوساخ التي أفقدت الألوان كثيرًا من بريقها، بتقنية يُرشّ فيها مزيج من الماء ومسحوق حجر الدولوميت بضغط لا يتجاوز بارًا واحدًا. ولم تُعَد رسم الأجزاء الناقصة، بل مُلئت بملاط بلون الخلفية الغالب، ليبقى الأصل ظاهرًا ويستطيع الزائر تأمّل كلّ مشهد على حدة. ثم أُعيدت الفسيفساء إلى مكانها على أرضية خشبية تتهوّى من تحتها فوق أساس خرساني يمنع الرطوبة.
وفي أثناء أعمال الحفظ بُني مبنى جديد للمتحف، اكتمل سنة 1987 وفُتح المتحف فيه من جديد، ثم حُسّن سقفه وجدرانه لتثبيت المناخ في داخله. وقد عُرضت فسيفساء القاعة الشمالية الشرقية في مكانها الأصلي.

صناعة الفسيفساء
نشأت تقنية الفسيفساء في الأناضول ثم تطوّرت قرونًا في اليونان وإيطاليا، ويُرجَّح أنّ صنّاع هذه الأرضية جُمعوا من أنحاء الإمبراطورية البيزنطية كلّها. وتتألّف الأرضية من ثلاث طبقات: في الأسفل طبقة من الحجر المكسّر بسمك 30 إلى 50 سنتيمترًا صُبّ فوقها 9 سنتيمترات من الملاط، ثم طبقة عازلة من الطين المرصوص والتراب والفحم تعلوها طبقة أصلب معظمها من القرميد المكسّر، ثم ملاط التثبيت الذي غُرست فيه القطع.
واستُعملت مكعّبات ملوّنة طول ضلعها 5 مليمترات، من الحجر الجيري والرخام بتدرّجات لونية دقيقة، ومن الزجاج الأحمر والأزرق والأخضر والأسود، ومن الطين بلون الصدأ والفخار، بل من الأحجار الكريمة أحيانًا. وكان المتر المربع الواحد يحتاج إلى نحو 40,000 مكعّب، وبلغ مجموع المكعّبات في الفسيفساء كلّها نحو 75 إلى 80 مليونًا.

ما تصوّره الأرضية
كان عرض الصورة الرئيسية 6 أمتار، مرتّبة في أربعة أشرطة، ويحيط بها من الداخل والخارج إطار عرضه متر ونصف من أغصان الأقنثة الملتفّة، تقطعه على مسافات منتظمة وجوه أقنعة كبيرة، وتملأ الفراغات بين اللفائف صور حيوانات وثمار، فيتّصل الإطار بعالم الإله ديونيسوس. وكانت الصور تُرى من جهة الفناء، وحركتها في القاعة الشمالية الشرقية من اليسار إلى اليمين نحو قاعة القصر في الجهة الجنوبية الشرقية. ولا تحمل الصور أيّ كتابة، إذ لم يكن الناظرون في ذلك الزمان يحتاجون إلى شرح لفهم موضوعاتها.
وفي الأجزاء الباقية 90 موضوعًا مختلفًا بـ150 صورة لبشر وحيوانات، تتوزّع على ثماني مجموعات: مشاهد الصيد لصيّادين بالسيف أو الرمح، راكبين أو مشاة، يطاردون النمر والأسد والفهد والخنزير البرّي والغزال والأرنب؛ والحيوانات المتصارعة كالنسر والأفعى، والأفعى والأيّل، والفيل والأسد؛ والحيوانات الطليقة كالدبّ والقرد والوعل وقطعان البقر والخيل؛ وحياة القرية من رعاة غنم وإوزّ وصيّادي سمك وقرويين يحلبون الماعز ونساء يرضعن أطفالهنّ؛ وحياة الريف من عمّال الحقول وطواحين الماء وينابيعه؛ والأطفال يركبون الجمال ويرعون الحيوانات ويلعبون بالأطواق؛ والأساطير كصراع بيليروفون مع الكيميرا، وديونيسوس طفلًا على كتفي بان؛ والمخلوقات العجيبة كأسود ونمور نصفها طير، وخليط من الطير والفهد، وحيوان برأس زرافة.

مشاهد يبحث عنها الزائر
صيد النمر: صيّادان برمحين طويلين يواجهان نمرًا يثب عليهما، على ثيابهما شارات تشبه شارات فرقة الحرس، فيُظنّ أنّهما من رجال القصر. وصيد الأسد: فارس بسترة مزيّنة تبلغ ركبته وسروال وحذاء طويل، يسدّد قوسه نحو أسد يهمّ بمهاجمة حصانه من الخلف. والنسر والأفعى: أفعى تلتفّ على جسد النسر كلّه، في موضوع قديم يرمز إلى غلبة النور على الظلام. والأسد والثور: الثور يغرز قرنيه في جنب الأسد، والأسد يغرس أنيابه في ظهر الثور.
والقرد صائد الطيور: قرد بلا ذيل تحت نخلة مثقلة بالثمر، على ظهره قفص فيه صقر، يحاول اصطياد الطيور بعصا طويلة. والأمّ المرضع والكلب: امرأة ترضع طفلها في صورة تذكّر بإيزيس وحورس، وكلب مدبّب الأنف يرفع رأسه إليها. والراعي الذي يحلب الماعز: شيخ ملتحٍ بثوب أحمر يحلب عنزة طويلة الشعر قرب كوخ من القصب، وطفل بثوب أزرق يحمل جرّة الحليب.
والأطفال يلعبون بالأطواق: أربعة أطفال يديرون الأطواق بالعصيّ، اثنان بثياب مخطّطة بالأزرق واثنان بثياب موشّاة بالأخضر، وهما لونا الفريقين في سباقات المضمار وفي السياسة يومئذ، ويظهر عمودا الدوران فيدلّان على أنّهم يلعبون في مضمار. وطفلان على جمل يقوده رجل، وفي المقدّمة طفل على رأسه تاج يحمل طائرًا أليفًا، من أسرة نبيلة. وديونيسوس على كتفي بان، وخلفهما فيل إفريقي ويد سائقه. وبيليروفون والكيميرا، بقيت منه قائمتا الحصان المجنّح بيغاسوس ورأس الرمح، ورؤوس الوحش الثلاثة سليمة. ثم المخلوقات المجنّحة: أسد مجنّح، وفهد مجنّح برأس يشبه الأوكابي، وأنثى نمر مجنّحة بقرنين تعضّ سحلية خضراء.
المتحف اليوم
لا يزال معظم أرض القصر الكبير تحت جامع السلطان أحمد ومبانٍ عثمانية أخرى، ولم يُحفر منه إلى اليوم إلا أقلّ من ربع مساحته، فيبقى هذا المتحف أوضح نافذة يرى منها الزائر شيئًا من زخرفة القصر الإمبراطوري.
وقد أُغلق المتحف في تموز 2023 لأعمال ترميم، وكان لا يزال مغلقًا في أيار 2024 دون إعلان موعد لإعادة فتحه. ويُوصل إليه من سوق أراسته خلف جامع السلطان أحمد، على خطوات من ميدان السلطان أحمد.
بطاقة المكان
- الاسم: متحف فسيفساء القصر الكبير Büyük Saray Mozaikleri Müzesi
- النوع: متحف فسيفساء أثري
- البناء: الفسيفساء من القرن السادس على الأرجح في عهد جستنيان الأول؛ افتُتح المتحف سنة 1953 وفُتح مبناه الجديد سنة 1987
- الطراز: فسيفساء أرضية بيزنطية من العصور القديمة المتأخّرة
- المكان: سوق أراسته، حيّ السلطان أحمد، منطقة الفاتح
- اليوم: متحف، أُغلق للترميم في تموز 2023
- التراث والترميم: حفظ وترميم بمشروع مشترك بين المديرية العامة للآثار والمتاحف وأكاديمية العلوم النمساوية بين 1983 و1997

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.