السياحة في اسطنبول

متحف البراءة: بيت فسون الذي بناه أورهان باموق مع روايته

متحف البراءة: بيت فسون الذي بناه أورهان باموق مع روايته

متحف البراءة متحف في بيت خشبي من القرن التاسع عشر في حيّ تشوكورجوما بمنطقة بيوغلو، أنشأه الروائي التركي أورهان باموق رفيقًا لروايته «متحف البراءة» التي صدرت سنة 2008. افتُتح في نيسان 2012، ويعرض أكثر من ألف قطعة من حياة إسطنبول اليومية بين السبعينيات ومطلع الألفية، ونال جائزة متحف العام الأوروبي سنة 2014.

في بيت خشبي من القرن التاسع عشر في تشوكورجوما جمع أورهان باموق أشياء حبٍّ لم يحدث إلا في رواية، ومنها 4,213 عقب سيجارة دخّنتها فسون.

بيت على زاوية في تشوكورجوما

متحف البراءة Masumiyet Müzesi متحف في بيت خشبي من القرن التاسع عشر في حيّ تشوكورجوما Çukurcuma بمنطقة بيوغلو، على زاوية شارع تشوكورجوما وشارع دالغيتش. أنشأه الروائي التركي الحائز جائزة نوبل أورهان باموق Orhan Pamuk رفيقًا لروايته التي تحمل الاسم نفسه، وهو أول متحف يُبنى انطلاقًا من العالم المتخيَّل لرواية.

والحيّ معروف بدكاكين التحف القديمة التي تصطف على أزقته الضيقة، والمتحف يعكس طابع الأشياء اليومية التي عرفتها الطبقة الميسورة في إسطنبول في سبعينيات القرن العشرين. وفي الرواية هو البيت الذي عاشت فيه فسون مع أسرتها.

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.03091, 28.97979. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

الرواية: كمال وفسون

صدرت رواية «متحف البراءة» بالتركية في 29 آب 2008، وتدور أحداثها في إسطنبول بين 1975 و1984، وتروي قصة حب بين رجل أعمال ثري هو كمال باصماجي وقريبة بعيدة له أفقر حالًا هي فسون. ونشرت مجلة «نيويوركر» مقتطفًا منها في 7 أيلول 2009، وصدرت ترجمتها الإنجليزية بقلم مورين فريلي، المتعاونة القديمة مع باموق، في 20 تشرين الأول 2009. وقد قال باموق إنه استعمل «يوتيوب» للبحث في الموسيقى والسينما التركية وهو يعد الرواية.

كان كمال مخطوبًا منذ شهرين لفتاة جميلة اسمها سيبل حين التقى فسون، البائعة في دكان، وهو يشتري حقيبة يد لخطيبته. وتلت ذلك علاقة جسدية وعاطفية سرية عنيفة دامت شهرًا ونصفًا. وظل كمال ينكر على نفسه أنه وقع في حبها، مؤمنًا بأن زواجه من سيبل وعلاقته السرية يمكن أن يدوما معًا، حتى اختفت فسون بعد حضورها حفل خطوبته.

مر كمال بعام مؤلم لا يستطيع فيه رؤيتها، يتعزى بالأشياء والأماكن المتصلة بها. ثم فُسخت خطوبته، وقبلت فسون أن تلقاه، وكانت قد تزوجت وتعيش مع زوجها ووالديها، فكان يلقاها قريبًا بعيدًا. وطوال ثماني سنوات ظل يزور الأسرة للعشاء ويعبّر عن حبه بطرق شتى، ويحمل من البيت أشياء تخصها. وبعد وفاة أبيها طلّقت زوجها، وكان يُفترض أن يتزوجا بعد رحلة في أوروبا، لكن القدر فرّق بينهما إلى الأبد. فعدّ كمال كل شيء جمعه في تلك السنين التسع لحظة من لحظات السعادة، وقرر أن يحوّل بيت فسون إلى «متحف للبراءة».

واجهة البيت الأحمر لمتحف البراءة في زقاق بحيّ تشوكورجوما، نيسان 2015
واجهة البيت الأحمر لمتحف البراءة في زقاق بحيّ تشوكورجوما، نيسان 2015uholz · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

متحف ورواية معًا

لم يُبنَ المتحف «على» الرواية، ولم تُكتب الرواية لتصف المتحف، بل نمت فكرتاهما معًا منذ البداية. فمنذ تسعينيات القرن العشرين أخذ باموق يجمع أشياء من الماضي يراها ويحبها في دكاكين الخردة وبيوت الأصدقاء، فتتشكل منها شيئًا فشيئًا حكاية الرواية. وقال إنه أراد أن يجمع الأشياء «الحقيقية» لقصة متخيلة ويعرضها في متحف، وأن يكتب رواية تقوم على هذه الأشياء.

فإذا رأى في دكان خردة شيئًا يلائم الرواية اشتراه ووصفه في النص، وقد يعثر على شيء يوحي إليه بحكاية جديدة، أو يبحث عن شيء يلائم حكاية قائمة. وبعض الأشياء كانت لأسرته وأصدقائه، وبعضها وُجد في أنحاء إسطنبول أو جُمع من أنحاء العالم، وبعضها صُنع للعرض. لكنه لم يحدد أيها يتصل بحياته هو، مصرًّا على أن حكاية المتحف حكاية الرواية لا حكايته، وقال: «هذا ليس متحف أورهان باموق».

ويرى باموق أن كلًّا منهما يُعاش مستقلًّا عن الآخر: فكما تُفهم الرواية كاملة دون زيارة المتحف، يمكن زيارة المتحف وعيشه وحده. وفي الرواية نفسها، في فصلها الثالث والثمانين، بطاقة دخول إلى المتحف تُختم عند الدخول، وخريطة لموقعه.

قاعة في متحف البراءة بأرضيتها الخشبية وخزائن العرض على جدارها، آب 2019
قاعة في متحف البراءة بأرضيتها الخشبية وخزائن العرض على جدارها، آب 2019Svklimkin · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

من الفكرة إلى الافتتاح

بعد أن طاف باموق بالسلطان أحمد وغلطة بحثًا عن موضع للمتحف، استقر على تشوكورجوما، حيث كان قد اشترى بناءً قبل سنوات. ورمّم البناء المعماريان التركيان إحسان بيلغين وجم يوجل والمعماري الألماني غريغور زوندر بلاسمان، واكتمل البناء سنة 2003.

كان مقررًا أن تُعرض مجموعة المتحف في قاعة «شيرن» للفنون في فرانكفورت في تشرين الأول 2008 في أثناء معرض فرانكفورت للكتاب، لكن العرض أُلغي. وفي 5 شباط 2009 قررت المحكمة تسجيل «وقف البراءة» الذي أسسه باموق لافتتاح المتحف وإدارته. وبعد صدور الرواية سنة 2008 اكتملت المجموعة مع فريق من الفنانين والمصممين والمعماريين، وتولى المعماريان الألمانيان بريجيت وغريغور زوندر بلاسمان تنظيم العرض، بدعم مالي من وكالة «إسطنبول 2010 عاصمة أوروبية للثقافة».

قيل أولًا إن المتحف سيُفتتح سنة 2010، ثم في ربيع 2011، وبعد تأخير طويل افتُتح في 28 نيسان 2012. وقال باموق عند تقديمه للصحافة إنه بدأ يجمع أول أشيائه قبل أن يبدأ كتابة الرواية، وإنه كتبها وهو ينظر إليها. وفي 17 أيار 2014 نال المتحف جائزة متحف العام الأوروبي.

صناديق عرض خشبية مليئة بأشياء من الحياة اليومية في متحف البراءة، أيلول 2024
صناديق عرض خشبية مليئة بأشياء من الحياة اليومية في متحف البراءة، أيلول 2024Wiki Asmah · CC BY 4.0 · ويكيميديا كومنز

ثلاث وثمانون خزانة

يتألف المتحف من سلسلة من خزائن العرض الخشبية، ثلاث وثمانين خزانة، تقابل كل منها فصلًا من فصول الرواية الثلاثة والثمانين. وبحسب الحكاية جمع كمال هذه الأشياء ورتبها لأنها تتصل بذكرياته عن فسون، وكل ما في طوابق المتحف الأربعة يحيل إلى الرواية وإلى العصر الذي تجري فيه.

وتضم المجموعة أكثر من ألف قطعة تعرض ما «استعملته شخصيات الرواية ولبسته وسمعته ورأته وجمعته وحلمت به»، مرتبة بدقة في صناديق وخزائن: صور وساعات ومفاتيح وعلب كبريت وتذاكر وأدوات للاستعمال اليومي، وحذاء فسون الأصفر وفردة من قرطها، ومجموعة من المملحات، ولوحات وخرائط لشوارع إسطنبول التي تجري فيها الأحداث.

وأشهر ما فيه خزانة زجاجية كبيرة فيها 4,213 عقب سيجارة دخّنتها فسون كلها. وفي المتحف تفاصيل لا ترد في الرواية، كأن والد كمال كان يذهب إلى مونت كارلو ويقامر. وتحمل الأشياء، إلى جانب صلتها بالحكاية، آثار الحياة اليومية في إسطنبول في النصف الثاني من القرن العشرين، ومنها بطاقات اليانصيب الوطني لسحب 31 كانون الأول في سنوات الرواية، التي قال باموق إن جدتيه كانتا تشتريانها.

غرفة نوم بسرير حديدي ومنضدة صغيرة تحت سقف مائل في أعلى متحف البراءة، أيلول 2024
غرفة نوم بسرير حديدي ومنضدة صغيرة تحت سقف مائل في أعلى متحف البراءة، أيلول 2024Wiki Asmah · CC BY 4.0 · ويكيميديا كومنز

بيان للمتاحف

في «براءة الأشياء» The Innocence of Objects، الفهرس الذي يروي كيف وُلدت الرواية والمتحف، يطرح باموق بيانًا للمتاحف: يدعو إلى استبدال المتاحف الوطنية الكبرى مثل اللوفر والإرميتاج بمتاحف «أصغر وأكثر فردية وأقل كلفة»، تروي «حكايات» بدل «التواريخ»، ويرى أن قيمة المتحف في قدرته على «كشف إنسانية الأفراد».

وحين سُئل لماذا يصنع روائيٌّ متحفًا، قال إنه لا يملك جوابًا واحدًا: إنه أراد أن يكون رسامًا، وإنه يؤمن بالمتاحف ويحبها ويزورها كثيرًا، وإنه أراد أن يصنع شيئًا لافتًا بالإبداع الذهني والأدبي والفني.

رفوف تصطفّ عليها تماثيل صغيرة كثيرة لكلاب في متحف البراءة، أيلول 2024
رفوف تصطفّ عليها تماثيل صغيرة كثيرة لكلاب في متحف البراءة، أيلول 2024Wiki Asmah · CC BY 4.0 · ويكيميديا كومنز

موضوعات الرواية

كثيرًا ما تتناول أعمال باموق التصادم الثقافي بين الشرق والغرب، وهو من أسباب منحه جائزة نوبل للآداب. وتعود الرواية مرارًا إلى أثر الغرب، أوروبا وأمريكا، في ثقافة إسطنبول، عبر فكرة المتاحف وعبر صناعة السينما التي تشغل جزءًا كبيرًا من الرواية.

وتتحدث الرواية والمتحف باستمرار عن المتاحف والمجموعات، وتتناول الفصول الأخيرة خاصة فكرة الجمع والاكتناز فعلًا مخجلًا يصير علنيًّا مقدَّرًا حين يتخذ شكل متحف. ومن موضوعاتها الرئيسية دور المرأة في الثقافة التركية، ونبذ المرأة التي تفقد عذريتها قبل الزواج رغم ما يدّعيه كثيرون من موقف «أكثر غربية» في إسطنبول السبعينيات. وقد قال باموق إن دور المتحف هو أيضًا دور تملّك، إذ يسعى كمال إلى امتلاك فسون كتحفة في متحفه، بدل أن يترك لها استقلالها في حياتها.

المتحف اليوم وما بعده

يقدم المتحف اليوم، مع الرواية، نافذة على حياة الطبقة الميسورة في إسطنبول من السبعينيات إلى مطلع الألفية الثالثة، ويقف بين دكاكين التحف في تشوكورجوما شاهدًا على لعبة بين الحقيقة والخيال استكشفها باموق في الرواية وفي الفهرس معًا.

وخرج المتحف إلى الخارج بمعرض في مركز «دوكس» للفن المعاصر في براغ في 2024–2025. أما الرواية فوقّع باموق سنة 2019 عقدًا لتحويلها إلى عمل مصور، ثم تخلى عنه لخلافات فنية، فعادت إليه الحقوق سنة 2021، ووقّع شراكة مع شركة «آي يابيم» لإنتاج مسلسل أخرجته زينب غوناي تان، وعُرض في شباط 2026. وتُرجمت الرواية إلى لغات عدة، منها الأردية سنة 2020.

بطاقة المكان

  • الاسم: متحف البراءة Masumiyet Müzesi
  • النوع: متحف أدبي في بيت تاريخي
  • البناء: بيت من القرن التاسع عشر؛ افتُتح المتحف في 28 نيسان 2012
  • الباني والمعمار: الروائي أورهان باموق؛ الترميم للمعماريين إحسان بيلغين وجم يوجل وغريغور زوندر بلاسمان
  • الطراز: بيت خشبي من القرن التاسع عشر
  • المكان: حيّ تشوكورجوما، منطقة بيوغلو
  • اليوم: متحف يديره وقف البراءة الذي أسسه أورهان باموق
  • التراث والترميم: جائزة متحف العام الأوروبي، 17 أيار 2014

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo