زقاق سوغوك تشيشمه: البيوت الخشبية بين آيا صوفيا وسور قصر طوب قابي

زقاق سوغوك تشيشمه، أي «زقاق العين الباردة»، شارع صغير للمشاة في حيّ السلطان أحمد بين آيا صوفيا وقصر طوب قابي، يأخذ اسمه من سبيل رخامي يرجع إلى سنة 1800. تشكّل في القرن الثامن عشر، ثم تدهور بعد الخمسينيات، فأُعيد بناء بيوته الخشبية بين 1985 و1986 بمبادرة جليك غولرسوي، وصارت نُزُلًا ومكتبة، وصار صهريجه مطعمًا.
زقاق ضيق لا تدخله السيارات، على يمينه صفّ من البيوت العثمانية الملوّنة المستندة إلى سور قصر طوب قابي، وعلى يساره آيا صوفيا وحديقتها، وفي طرفه سبيل رخامي وصهريج قديم.
زقاق العين الباردة
زقاق سوغوك تشيشمه Soğukçeşme Sokağı، ومعنى اسمه «زقاق العين الباردة»، شارع صغير تصطف عليه بيوت تاريخية في حيّ السلطان أحمد بإسطنبول، محصور بين آيا صوفيا وقصر طوب قابي، وهو مغلق أمام السيارات.
يستند إلى «السور السلطاني» الذي يحيط بقصر طوب قابي اثنا عشر بيتًا وصهريج قديم. وعلى يسار السائر فيه مبنى آيا صوفيا الضخم ثم حديقتها، وعلى يمينه صفّ البيوت الملاصقة لسور القصر العالي، لأن الطريق ضيق جدًّا فبُنيت البيوت ملتصقة بالسور.
ويأخذ الزقاق اسمه من سبيل رخامي تركي من عهد السلطان سليم الثالث، مؤرخ سنة 1800، مثبّت على واجهة الصهريج في طرف الزقاق المؤدي إلى حديقة غولهانة Gülhane Parkı. وقد جُدّد السبيل كله، وفُتح على جانبي الباب القديم بابان آخران، وهناك مدخل الحديقة.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.0093, 28.9802. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
بين أبواب القصر وآيا صوفيا
تحدّد الزقاقَ معالمُ كبيرة من طرفيه. ففي طرفه الشرقي الباب الشمالي الشرقي لآيا صوفيا المبني على طراز الروكوكو، ثم على مسافة قليلة الباب الهمايوني Bab-ı Hümayun، الباب الخارجي لقصر طوب قابي. وإلى غرب الباب الهمايوني، في الساحة الواسعة أمام القصر، سبيل السلطان أحمد الثالث الباروكي من القرن الثامن عشر.
أما طرفه الغربي فيحدّده كشك الألاي Alay Köşkü، وهو جناح صغير متعدد الأضلاع على طراز الباروك العثماني، كان السلاطين يشرفون منه على مواكب الاستعراض.
وقد تشكّل الزقاق عبر الزمن من عناصر متعددة: صهريج مياه بيزنطي مبكر، وصهريجين كُشف عنهما حديثًا أحدهما أقرب إلى سطح الأرض والآخر في طبقة أدنى، وسور القصر، وبابين عثمانيين ضخمين من زمن استعمال آيا صوفيا جامعًا، والسبيل الذي سُمّي الزقاق به، وحمّام أحد القصور، ودار شيخ التكية النازكية، والبيوت الخشبية ذات الشرفات المغلقة البارزة («الجومبا») والنوافذ المشبّكة.

نشأة الزقاق في القرن الثامن عشر
يُقدَّر أن الزقاق تشكّل أول مرة في القرن الثامن عشر، ويدل على ذلك دليلان. الأول وثيقة بيع قديمة مؤرخة في 18 شعبان 1198 (7 تموز 1784)، وُجدت عند البحث في سند ملكية البيت الذي يشغل أكبر قطعة أرض في الزقاق، وقد أُعيد بناؤه اليوم مكتبةً. والثاني أن نقش السبيل الذي أعطى الزقاق اسمه يحمل تاريخ 1800، ولو كان المكان مسكونًا قبل القرن الثامن عشر لكان المتوقع أن يُبنى فيه سبيل للماء قبل ذلك.
وكان سكانه أناسًا لهم صلة بآيا صوفيا المقابلة وقصر طوب قابي خلفها. فالبيت الأول من جهة باب القصر كان دار شيخ التكية النازكية. ومع الزمن، وبخاصة بعد انتقال الأسرة الحاكمة إلى قصر دولمة بهجة، تبدّل هذا النسيج الاجتماعي، واستقرت في الزقاق عائلات من الطبقة الوسطى في إسطنبول.
ومن هذه البيوت البيت الذي وُلد فيه فخري كوروتورك Fahri Korutürk (1903–1987)، الرئيس السادس للجمهورية التركية، في وسط الزقاق قبالة الباب القديم لمطابخ آيا صوفيا الخيرية، وكان أبوه عضوًا في «شورى الدولة».

الزقاق في عيون الرحّالة والرسّامين
اهتمّ الرحّالة والرسّامون الأجانب الذين زاروا إسطنبول في القرن التاسع عشر بهذا الطريق، ورسموه في أعمالهم. وتوثّق مطبوعة حجرية للرسّام الإنكليزي لويس Lewis من أوائل الثلاثينيات من القرن التاسع عشر أن البيت الأول من جهة القصر، دار التكية النازكية المطليّ بالجير، كان على طابع البيت الأناضولي، وأن البيوت التي تليه كانت قد اتخذت هيئتها المعروفة اليوم.
وفي الأربعينيات من القرن التاسع عشر رمّم الأخوان فوساتي Fossati، المعماريان الإيطاليان السويسريان، آيا صوفيا، وفي الألبوم الذي قدّماه إلى السلطان عبد المجيد مطبوعة حجرية رُسمت من مئذنة آيا صوفيا تظهر فيها البيوت القائمة أمام السور.
وكان الزقاق في القرن التاسع عشر على الأقل على هيئة غير مألوفة: البيوت على جانب واحد فقط، والجانب الآخر جدار حديقة آيا صوفيا. وكانت واجهات البيوت المطلّة على الزقاق طويلة وأعماقها قليلة، وتنظر مباشرة إلى آيا صوفيا. وبقيت هذه الوحدة متماسكة دون تغيير حتى الأربعينيات من القرن العشرين.
وحتى أوائل القرن العشرين كانت هناك بيوت لا في الزقاق وحده، بل خلف آيا صوفيا وفي الساحة أمامها أيضًا. ومع ازدياد حركة السير في أوائل ذلك القرن أصاب بيوتَ الساحة تلفٌ شديد فهُدمت، أما زقاق سوغوك تشيشمه فلم تصله تلك الحركة، فبقي محفوظًا.

البيوت الخشبية القديمة
بُنيت بيوت الزقاق على طراز البيوت التركية التقليدية في القرن التاسع عشر، بتقنيات أبسط مما كان في القرن الثامن عشر: بيوت خشبية بشرفات مغلقة بارزة ونوافذ مشبّكة، بعضها من طابقين وبعضها من ثلاثة، وفيها من أربع غرف إلى عشر. وكانت أطراف سقوفها وشرفاتها متقاربة، فكان هذا القرب سببًا في انتقال الحرائق من بيت إلى بيت.
وكانت ألوانها ألوان البيت التركي التقليدي: الأصفر التبني، ولون الطحينة، وأصفر إبرة الراعي، والأزرق الفاتح، والأخضر. ولأنها من الخشب كانت الحرائق تفرض إعادة بنائها في وقت قصير، فكانت البيوت تُبنى من جديد مرة بعد مرة، وهي سمة لإسطنبول كلها لا لهذا الزقاق وحده. وكان الخشب مادة سريعة البلى، فكانت البيوت تهرم سريعًا.

التدهور بعد الخمسينيات
بقي سكان الزقاق القدامى، من ملّاك ومستأجرين، فيه حتى أواخر الخمسينيات. ثم انعكس عليه ما أصاب المدينة كلها من تغيّر: الزيادة الهائلة في عدد السكان، وحلول مبانٍ مستعجلة بلا طراز محل المباني القديمة المتسقة، وعجز إدارات المدينة عن مواجهة هذا الانفجار.
فتدهور الزقاق كثيرًا في عشرين سنة. هُدم بعض بيوته الخشبية وقامت مكانها مبانٍ من الخرسانة، وانهار بيتان مهجوران، ولا سيما البيت الأول من جهة القصر، حتى لم يبقَ منهما إلا بضع عوارض. وبُني على الأرض المجاورة للبيت الأول كوخ خرساني من طابق واحد يُخزَّن فيه ورق المطابع وتدخله الشاحنات الثقيلة وتخرج.
أما الصهريج عند رأس المنحدر فكان التراب والأنقاض قد ملآه إلى قرب سقفه، وكان يُستعمل ورشة لإصلاح السيارات.

إعادة البناء بين 1985 و1986
كان الهدف من المشروع إصلاح المنطقة وإعطاءها وظيفة جديدة للسياحة والنشاط الثقافي ضمن وحدتها المعمارية التاريخية. فالبيوت الخشبية القليلة الباقية لم تكن، إلا في حالة أو حالتين، قصورًا فخمة، بل بيوتًا «عادية» في أصلها، لكنها باستنادها إلى السور ومقابلتها لمجمّع آيا صوفيا كانت تمنح الزقاق منظر شارع عثماني نموذجي.
وبمبادرة من جليك غولرسوي Çelik Gülersoy هُدمت بين سنتي 1985 و1986 جميع المباني الواقعة بين آيا صوفيا وسور قصر طوب قابي، وأُعيد بناؤها وفق تصاميم جديدة، فحُذفت العناصر الحديثة النافرة، ومُلئت الفراغات بين البيوت بمبانٍ مماثلة الهيئة. والبيوت الجديدة هياكل من الخرسانة المسلحة بحشو من الآجر، كُسيت بالخشب لتستعيد مظهرها الأصلي، وطُليت بألوان هادئة مستوحاة من أوصاف رحّالة القرن التاسع عشر.
وتوزّع التصميم على عشرة معماريين، منهم مصطفى بهلوان أوغلو للصهريج وعدد من النُّزُل، وحسين باشتشتين جليك وخديجة قره قايا للمكتبة، وخان تومرتكين ورشيد صولاي لأحد النُّزُل. وافتُتح الزقاق بحلّته الجديدة سنة 1986.
وعلى الجانب الأيسر في طريق النزول كان على أرض مساحتها نحو دونم مبنى من أربعة طوابق كان قصرًا ثم آل إلى السقوط بعد إضافات خرسانية، فهُدم وأُعيد بناؤه بهيئة القصر التي تحفظها صوره القديمة، وافتُتح فندقًا سنة 1994. وفي الأرض نفسها اكتُشف فضاء يُرجَّح أنه من العصر الروماني: غرفة حجرية جميلة بقبوات يحملها عمودان صارت «بارًا»، وفضاء عميق يُنزل إليه بدرج جُعل خزانًا للماء.

الصهريج القديم
يقع الصهريج في طرف الزقاق المؤدي إلى حديقة غولهانة، وهو صهريج مياه بيزنطي مبكر تصفه المصادر التركية أيضًا بالصهريج الروماني. وبين 1985 و1987 أُزيلت منه طبقة من التراب ارتفاعها 7 أمتار تراكمت عبر الزمن حتى بُلغت أرضيته الأصلية، وتبيّن أن عمقه 10 أمتار، ودُعّمت جدرانه وسقفه، وحوفظ على هيئته الأصلية ولم يُضف إليه إلا موقد ملاصق لجداره الشمالي.
حوض الماء فيه مستطيل منتظم أبعاده 16.30 × 10.75 مترًا، ومدخله في ضلعه الغربي القصير وأمامه مصطبة. ويقوم على ستة أعمدة في صفّين، أعمدة رخامية غليظة تيجانها كتل بسيطة على هيئة هرم مقطوع، وتختلف أحجامها وأشكالها بما يدل على أنها جُمعت من مبانٍ أقدم. وتتصل بها أقواس تنتهي إلى السقف بواسطة المثلثات الكروية.
وارتفاع الصهريج 12 مترًا، منها 3 أمتار فوق مستوى الأرض الحالي، ويضيئه من هذا المستوى أربع نوافذ في جداره الجنوبي وثلاث فتحات تهوية في جداره الشمالي. وفي جداره الشرقي كوّتان واسعتان، وجدرانه وأقواسه وقبواته من الآجر والملاط، أما نظام الإسناد فمن الرخام. وهو اليوم مطعم «صارنج» Sarnıç، زُيّن بموائد وكراسٍ من الخشب المصمت وثريّات وشمعدانات من الحديد.

الزقاق اليوم
تؤلف تسعة من بيوت الزقاق فندقًا يُعرف باسم «قصور آيا صوفيا» Ayasofya Konakları، وهو اليوم ضمن مجموعة فنادق تابعة لهيلتون. وتحمل البيوت أسماء الشجيرات المزهرة التي بجانبها: «بيت الياسمين» Yaseminli Ev، و«بيت الوستارية» Mor Salkımlı Ev، و«بيت زهر العسل» Hanımeli Ev، وغيرها. وزُيّنت على طراز القرن التاسع عشر في إسطنبول، بأسرّة ومناضد ومرايا مذهّبة ومقاعد مخملية وستائر حريرية بألوان هادئة، وسُمّيت الغرف بألوانها: الغرفة الصفراء والغرفة الزرقاء.
وأشهر من نزل في هذه البيوت ملكة إسبانيا صوفيا، التي أقامت فيها أربع ليالٍ في ربيع سنة 2000.
وفي أحد البيوت مكتبة إسطنبول İstanbul Kitaplığı، التي تملكها مؤسسة جليك غولرسوي، وفيها أكثر من 10,000 كتاب عن إسطنبول.
بطاقة المكان
- الاسم: زقاق سوغوك تشيشمه Soğukçeşme Sokağı
- النوع: شارع تاريخي ببيوت عثمانية خشبية
- البناء: تشكّل في القرن الثامن عشر؛ السبيل مؤرخ سنة 1800 من عهد السلطان سليم الثالث؛ أُعيد بناء البيوت بين 1985 و1986
- الباني والمعمار: إعادة البناء بمبادرة جليك غولرسوي، وتوزّع تصميمها على عشرة معماريين
- الطراز: بيوت خشبية عثمانية من القرن التاسع عشر بشرفات مغلقة بارزة ونوافذ مشبّكة، أُعيد بناؤها بالخرسانة المكسوّة بالخشب
- المكان: حيّ السلطان أحمد، بين آيا صوفيا وقصر طوب قابي
- اليوم: شارع للمشاة فيه فندق «قصور آيا صوفيا» ومكتبة إسطنبول ومطعم في الصهريج
- التراث والترميم: إعادة بناء كاملة بين 1985 و1986، وتنظيف الصهريج وتدعيمه بين 1985 و1987

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.