السياحة في اسطنبول

كوزغونجوك: قرية البوسفور التي جمعت الكنيس والكنيسة والجامع

كوزغونجوك: قرية البوسفور التي جمعت الكنيس والكنيسة والجامع

كوزغونجوك حيّ هادئ في منطقة أسكودار على الشاطئ الآسيوي من البوسفور، يقوم في وادٍ ينفتح على الماء قبالة بشكطاش، وتصطف في شوارعه بيوت عثمانية خشبية قديمة. كان من أقدم مواطن اليهود على الجانب الآسيوي من إسطنبول، ثم سكنه الروم والأرمن، وما زال فيه كنيسان وثلاث كنائس وجامعان، وأحدهما بُني سنة 1952 في فناء الكنيسة الأرمنية.

في وادٍ صغير ينفتح على البوسفور تحت أسكودار، عاش اليهود والروم والأرمن والمسلمون قرونًا بين بيوت خشبية وأشجار دلب، حتى صار الحيّ ديكورًا طبيعيًّا للمسلسلات التركية.

وادٍ صغير على الشاطئ الآسيوي

كوزغونجوك Kuzguncuk حيّ في بلدية أسكودار ومنطقتها في ولاية إسطنبول، على الشاطئ الآسيوي من البوسفور، وبلغ عدد سكانه 4,151 نسمة سنة 2022. ويتوسط الحيّ واديًا ينفتح على البوسفور، وتحيط به محميات طبيعية ومقابر ومنشأة عسكرية، فبقي منعزلًا بعض الشيء عن سائر المدينة، هادئًا تصطف في شوارعه البيوت العثمانية الخشبية القديمة.

يحدّه من الشمال حيّ بيلربي، ومن الشرق Burhaniye، ومن الجنوب İcadiye وSultantepe، ومن الغرب البوسفور، وتقابله على الضفة الأخرى بشكطاش. ويفصله الطريق السريع O-1 عن بورهانية.

وإلى جواره مباشرة ناحية باشا ليماني Paşalimanı، التي عُرفت قديمًا باسم «أوكوز ليماني» أي «ميناء الثيران»، ويُرجَّح أنها سُمّيت كذلك لأن الثيران المجلوبة من الضفة الأوروبية كانت تُنقل إليها بالقوارب من بشكطاش في طريقها إلى الأناضول. وقد سكنها الأتراك وحدهم، وكان فيها جامع وسبيل ومرسى للقوارب وبساتين.

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.03667, 29.02972. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

الاسم والعصر البيزنطي

كلمة «كوزغونجوك» تعني في التركية «الغراب الصغير»، أو قضبان النافذة في باب السجن. وفي أصل الاسم رأيان: أنه يعود إلى وليّ اسمه «كوزغون بابا» سكن المكان في عهد السلطان محمد الفاتح، وهذا ما يرويه الرحّالة أوليا جلبي، أو أنه تحريف لاسم سابق هو «كوزينيتسا» Kozinitza.

وفي العصر البيزنطي ربما عُرف المكان باسم خريسوكيراموس Khrysokeramos، أي «القرميد الذهبي»، نسبةً إلى كنيسة كان سقفها مذهّبًا. ونحو سنة 553 أمر القائد البيزنطي نرسيس Narses ببناء كنيسة هنا باسم السيدة العذراء.

شارع في كوزغونجوك تصطف عليه بيوت قديمة ملوّنة وسيارات، تموز 2022
شارع في كوزغونجوك تصطف عليه بيوت قديمة ملوّنة وسيارات، تموز 2022Sadrettin · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

أول حيّ يهودي على الجانب الآسيوي

كان من بين من استقروا في الحيّ اليهودُ الذين طُردوا من إسبانيا والبرتغال واستقبلتهم الدولة العثمانية في أواخر القرن الخامس عشر. ولأنهم جاؤوا مهاجرين طوعًا فقد كانت لهم حرية أوسع في اختيار مساكنهم، فترك كثير منهم الأحياء اليهودية التقليدية في إسطنبول مثل بلاط إلى قرى البوسفور مثل كوزغونجوك. وأقدم دليل على وجودهم في الحيّ شاهد قبر مؤرخ سنة 1562.

وتعدّ المصادر التركية كوزغونجوك أول منطقة سكنها اليهود في الجانب الآسيوي من إسطنبول، وتذكر أن مصادر القرن السابع عشر كانت تصفها بأنها قرية يهودية. وكان يهود أوروبا يعدّونها «المحطة الأخيرة قبل بلوغ الأرض المقدسة»، فكان من عجز منهم عن السفر إليها يوصي بأن يسكن كوزغونجوك ويموت فيها ويُدفن، ولذلك كثيرًا ما تُذكر منذ القرن السابع عشر مقبرتها اليهودية الواسعة. وكان الروم يسكنون الحيّ أيضًا في ذلك الوقت.

جامع كوزغونجوك بقبته ومئذنته خلف دكان بقالة على ناصية شارع في الحيّ، آب 2012
جامع كوزغونجوك بقبته ومئذنته خلف دكان بقالة على ناصية شارع في الحيّ، آب 2012İhsan Deniz Kılıçoğlu · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

الأرمن والروم، ثم التحوّل الكبير

بدأ الأرمن يستقرون في كوزغونجوك في القرن الثامن عشر، وصاروا في القرن التاسع عشر جماعة كبيرة. وتُظهر السجلات العثمانية طلبًا قُدّم سنة 1834 بأن يُسمح لهم بمواصلة صلواتهم الليلية دون تعرّض، وفي سنة 1835 بُنيت كنيستهم الأولى.

ولما كان الحيّ ذا غالبية غير مسلمة لم يكن من الأماكن التي أقبل عليها المسلمون العثمانيون. وفي سنة 1914 أُحصي فيه 70 بيتًا مسلمًا و250 بيتًا روميًّا و1,600 بيت أرمني، بمن فيهم سكان إيجادية على التلة، و400 بيت يهودي، و4 بيوت لأجانب. وفي سنة 1933 كان فيه 580 بيتًا و4,000 نسمة، أكثرهم من اليهود ثم الروم والأتراك والأرمن.

وبعد قيام إسرائيل تناقص عدد اليهود في الحيّ سريعًا. ثم أدّت أحداث 1955، التي تسميها المصادر الإنكليزية «بوغروم 1955»، إلى هجرة كثير من أبناء الأقليات في إسطنبول، ومنهم روم كوزغونجوك وأرمنها، فلم يبقَ فيه اليوم من غير المسلمين إلا قليل جدًّا.

وفتحت هذه الهجرة البيوت أمام المهاجرين القادمين من الأناضول، فتغيّر التكوين السكاني لأحياء إسطنبول. وجاء معظم سكان كوزغونجوك الجدد من منطقة البحر الأسود، ففي أواخر القرن العشرين كان 15% من سكانه من إينبولو، و15% من ريزه، و10% من كل من طرابزون وتوقات وقارص وسيواس. ومع انتقال البيوت إلى أيدٍ جديدة تغيّرت بعض ملامحها في الداخل والخارج.

يالي عربزاده ويالي باشتيمار الخشبيان على ساحل كوزغونجوك من البوسفور، تشرين الثاني 2013
يالي عربزاده ويالي باشتيمار الخشبيان على ساحل كوزغونجوك من البوسفور، تشرين الثاني 2013Alexxx1979 · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

الكنس والكنائس والجوامع

في كوزغونجوك اليوم كنيسان: كنيس بيت يعقوب الذي بُني سنة 1878، وكنيس بيت نسيم الذي بُني في الأربعينيات من القرن التاسع عشر، وفيه أيضًا مقبرة نقّاش تبه اليهودية Nakkaştepe.

ومن كنائسه كنيسة سورب كريكور لوسافوريتش الأرمنية، أي القديس غريغوريوس المنوّر، التي بُنيت أول مرة سنة 1835 وأُعيد بناؤها سنة 1861، وكنيسة القديس جاورجيوس الرومية الأرثوذكسية، وكنيسة القديس بندليمون الرومية الأرثوذكسية، ومزار القديس يوحنا الرومي الأرثوذكسي، وهو «أياسما» أي نبع مقدس.

ولم يكن في وسط الحيّ جامع حتى سنة 1952، حين بُني جامع كوزغونجوك في فناء الكنيسة الأرمنية، وكان في أموال بنائه تبرعات من أبناء الرعية الأرمنية أنفسهم. أما مسجد عريان زاده Üryanizade على الساحل في الطرف الشمالي من الحيّ فبُني مسجدًا صغيرًا سنة 1860، ومئذنته الخشبية ذات الشرفة المظلّلة من أغنى المآذن الخشبية في إسطنبول وأجدرها بالنظر.

برج أجراس كنيسة القديس بندليمون الرومية الأرثوذكسية بين الأشجار في كوزغونجوك، تشرين الثاني 2021
برج أجراس كنيسة القديس بندليمون الرومية الأرثوذكسية بين الأشجار في كوزغونجوك، تشرين الثاني 2021Antoloji · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

البيوت واليالي

يتألف نسيج الحيّ الداخلي من بيوت متلاصقة وبيوت منفردة وقصور صغيرة وعمارات من أواخر العهد العثماني، نجت من الحرائق التي مرّت به، وترجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وأغلبها بيوت متلاصقة بُنيت بعد الحريق الكبير في ستينيات القرن التاسع عشر على قطع أرض ضيقة، من طابقين إلى أربعة، إما مبنية بالحجر كلها، وإما بطوابق عليا من الخشب فوق طابق أرضي حجري.

وأبرز ما بقي من اليالي (القصور الساحلية) على ساحل الحيّ يالي فتحي أحمد باشا، وكان صاحبه الأول فتحي أحمد باشا الذي تولّى مناصب مهمة في عهدي السلطان محمود الثاني والسلطان عبد المجيد. كان اليالي من قسمين، الحرملك والسلاملك، ولم يبقَ منه إلا السلاملك، وخلفه غابة كبيرة أكثر أشجارها من الصنوبر والدلب والتنوب، تُركت للبلدية بشرط أن تُفتح للناس وألّا يُبنى فيها شيء.

النقش العبري على واجهة كنيس بيت يعقوب في كوزغونجوك، وإلى جانبه العلم التركي، نيسان 2009
النقش العبري على واجهة كنيس بيت يعقوب في كوزغونجوك، وإلى جانبه العلم التركي، نيسان 2009User:Darwinek · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

ديكور طبيعي للمسلسلات

تجذب قصور كوزغونجوك التاريخية وكنائسه وكنسه وجوامعه، وشوارعه المرصوفة بالحجارة، وأشجار الدلب وبساتين الخضار، صنّاع الأفلام بوصفه ديكورًا طبيعيًّا. ومنذ تصوير المسلسل الكوميدي التلفزيوني الشهير «بيريهان أبلا» Perihan Abla في منتصف الثمانينيات صار الحيّ موقعًا مفضّلًا لتصوير مسلسلات وإعلانات كثيرة، غير أن السكان يتضايقون من الإزعاج الذي يسببه التصوير ليلًا ونهارًا.

أحواض الزرع في بستان كوزغونجوك التاريخي، وخلفها بيوت الحيّ، نيسان 2017
أحواض الزرع في بستان كوزغونجوك التاريخي، وخلفها بيوت الحيّ، نيسان 2017John Lubbock · CC BY-SA 2.0 · ويكيميديا كومنز

أعلام الحيّ وحياته اليوم

من أعلام كوزغونجوك الشاعر جان يوجل (1926–1999)، والكاتب والشاعر والمسرحي أوكتاي رفعت (1914–1988)، والممثل والمخرج أوغور يوجل، وممثلة السينما هوليا كوتشيغيت، والصحفي والكاتب بافلوس باليولوغوس (1895–1984)، ومحمد علي أيبار (1908–1995) زعيم حزب العمال التركي المحظور، ونهاد صارغين أمينه العام، والكاتبة ومقدمة البرامج في الطبخ ريفيكا بيرغول.

ومن رموز الحيّ التاريخية حانة إسمت بابا التي أسسها أهل كوزغونجوك سنة 1951، وكان من روّادها جان يوجل، وما زال يقصدها كثير من الفنانين. وفي بستان كوزغونجوك التاريخي يقيم أهل الحيّ كل سنة مهرجانات واحتفالات «خضرلّز» بقدوم الربيع.

وقد صار الحيّ في السنوات الأخيرة من الأحياء التي يفضّلها أهل إسطنبول، وتسارع ترميم بيوته القديمة، وهو مع ذلك من الأحياء القليلة التي ما زالت تحتفظ إلى حدّ ما بطابع قرى البوسفور التقليدية.

مسجد عريان زاده الصغير على ساحل كوزغونجوك من البوسفور، وإلى جانبه يالي أبيض، أيار 2025
مسجد عريان زاده الصغير على ساحل كوزغونجوك من البوسفور، وإلى جانبه يالي أبيض، أيار 2025Photograph by Mike Peel (www.mikepeel.net). · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الوصول بحرًا

كان لعبّارات شركة «شركت خيرية» أثر كبير في ربط كوزغونجوك بالمدينة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وسهّل المرسى الذي بُني بعد الحريق الكبير النقل البحري. وتنطلق منه اليوم رحلات إلى أحياء البوسفور، وفي مقدمتها جنكل كوي وكاباتاش.

بطاقة المكان

  • الاسم: كوزغونجوك Kuzguncuk
  • النوع: حيّ تاريخي
  • البناء: موضع مأهول منذ العصر البيزنطي؛ أقدم أثر يهودي فيه شاهد قبر مؤرخ سنة 1562
  • الطراز: بيوت متلاصقة حجرية وخشبية من النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين
  • المكان: كوزغونجوك، منطقة أسكودار، على الشاطئ الآسيوي من البوسفور
  • اليوم: حيّ سكني هادئ فيه كنيسان وثلاث كنائس ومزار وجامعان، وموقع تصوير للمسلسلات

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo