السياحة في اسطنبول

مدرسة الفنار الرومية: القلعة الحمراء فوق القرن الذهبي ومدرسة الأمة الكبرى

مدرسة الفنار الرومية: القلعة الحمراء فوق القرن الذهبي ومدرسة الأمة الكبرى

مدرسة الفنار الرومية، المعروفة باليونانية بـ«مدرسة الأمة الكبرى» و«الأكاديمية البطريركية في القسطنطينية»، أقدم مدرسة رومية أرثوذكسية باقية في إسطنبول وأرفعها مكانة. أسّسها البطريرك جناديوس سكولاريوس سنة 1454، وتعمل منذ 1882 في مبنى ضخم من الآجر الأحمر صمّمه كونستانتينوس ديماديس في حيّ الفنار، يلقّبه الناس «القلعة الحمراء» و«المدرسة الحمراء».

على تلّ يشرف على الفنار يقوم بناء من الآجر الأحمر يشبه القلعة، هو بيت مدرسة أسّسها البطريرك جناديوس بعد الفتح بعام، وتخرّج فيها أمراء الأفلاق والبغدان.

المدرسة الحمراء على التل

مدرسة الفنار الرومية Özel Fener Rum Lisesi، وكانت تُسمّى «ثانوية الفنار الرومية للبنين»، وتُعرف عند الروم واليونانيين باسم «مدرسة الأمة الكبرى» Μεγάλη του Γένους Σχολή و«الأكاديمية البطريركية في القسطنطينية»، هي أقدم مدرسة رومية أرثوذكسية باقية في إسطنبول وأرفعها مكانة.

تقوم المدرسة على تلّ يشرف على حيّ الفنار على ضفة القرن الذهبي، في محلة بلاط على منحدر «سنجقدار» Sancaktar Yokuşu، قرب كنيسة القديس جاورجيوس، مقرّ البطريركية المسكونية. ويعرفها أهل الحيّ بألقاب منها «القلعة الحمراء» و«المدرسة الحمراء» Kırmızı Mektep، لآجرها الأحمر وشكلها الشبيه بالقلاع.

وهي اليوم واحدة من ثلاث مؤسسات تعليمية رومية لا تزال تعمل في إسطنبول، إلى جانب ثانويتي «زابيون» و«زوغرافيون».

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.029, 28.949. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

التأسيس بعد الفتح سنة 1454

بعد فتح القسطنطينية (1453) غادر كثير من الطبقة الحاكمة البيزنطية وتجّارها المدينة ولجؤوا إلى جزر بحر إيجه وإيطاليا وفرنسا. وفي سنة 1454 دعا السلطان محمد الفاتح أرثوذكس إسطنبول جميعًا إلى العودة إليها، وأصدر بذلك فرمانًا أعلن فيه أن للأرثوذكس أن يتعلّموا بلغتهم، وأن يعيدوا إحياء بطريركيتهم، وأن يؤدّوا عباداتهم بحرية كما كانوا من قبل. فعاد بعض البيزنطيين الذين غادروا.

واستقرت البطريركية أولًا في كنيسة الرسل المقدسين، ثم انتقلت إلى كنيسة «الفتحية» التي صارت جامع الفاتحية، ثم إلى موضعها الحالي في الفنار. وبموجب اتفاق بين البطريرك جناديوس سكولاريوس والسلطان محمد الفاتح أسّس البطريرك سنة 1454 مدرسة في حدود الفنار، وعيّن ماثيوس كاماريوتيس السالونيكي أول مدير لها.

وتعدّ المصادر التركية المدرسة امتدادًا لـ«الأكاديمية البطريركية» التي كانت تعمل في إسطنبول قبل الفتح، وقد أُنشئت أول الأمر لإعداد رجال الدين.

واجهة مدرسة الفنار الرومية بآجرها الأحمر وساعتها وقبتها، تشرين الأول 2016
واجهة مدرسة الفنار الرومية بآجرها الأحمر وساعتها وقبتها، تشرين الأول 2016Ragnhild&Neil Crawford · CC BY-SA 2.0 · ويكيميديا كومنز

مدرسة الفناريين والأمراء

سرعان ما صارت المدرسة مدرسة الأسر الرومية البارزة، المعروفة بـ«الفناريين»، وغيرها من الأسر الأرثوذكسية في الدولة العثمانية. وتخرّج فيها كثير من وزراء الدولة العثمانية، ومن أمراء الأفلاق والبغدان الذين كانت الدولة العثمانية تعيّنهم، ومنهم ديمتري كانتيمير، كما تخرّج فيها بطاركة ورجال دين كبار وتراجمة، منهم كبار التراجمة في الدولة.

وقد وفّرت الدولة العثمانية لهذه المؤسسة منذ قيامها إمكانات واسعة. وكان مديروها في البداية يُختارون من رجال الدين، والغالب على دروسها اللاهوت، إلى جانب دروس في الفلسفة والأدب القديمين والمعاصرين. وحملت عبر تاريخها أسماء مختلفة، منها «المكتب الكبير» و«الأكاديمية الأولى».

برج مدرسة الفنار الرومية الغليظ بآجره الأحمر ونوافذه المقوّسة، شباط 2020
برج مدرسة الفنار الرومية الغليظ بآجره الأحمر ونوافذه المقوّسة، شباط 2020Antoloji · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

من اللاهوت إلى نيوتن

في القرنين السابع عشر والثامن عشر أكسب قسمُ الفلسفة المدرسةَ لقب «الأكاديمية». وكان بين مدرّسيها كتّاب وباحثون مشهورون، منهم آل زيغومالاس الأب والابن، والفيلسوف ثيوفيلوس كوريداليفس، وألكسندروس مافروكورداتوس، والفلكي إفغينيوس فولغاريس، والمؤرخ قسطنطين كوماس. ويُعتقد أن نظريات نيوتن دُرّست في الدولة العثمانية لأول مرة في هذه المدرسة.

وطبّقت المدرسة برنامج الأكاديمية بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، ثم تحوّلت بعد سنة 1861 إلى مدرسة ثانوية ذات تعليم كلاسيكي. وافتُتح فيها لمدة قصيرة قسم للطب. ووُضعت في عهد البطريرك يواكيم الثالث خطط لتحويلها إلى جامعة، لكنها لم تتحقق.

وفي سنة 1903 أُضيف إليها قسم لإعداد معلّمي المدارس الابتدائية يدرّس فقه اللغة الكلاسيكي والتربية، وكان خرّيجو هذا «القسم التربوي» يعملون معلّمين في أنحاء الأراضي العثمانية.

الواجهة الحمراء لمدرسة الفنار الرومية بأبراجها المسنّنة وزخارفها الآجرية، أيلول 2006
الواجهة الحمراء لمدرسة الفنار الرومية بأبراجها المسنّنة وزخارفها الآجرية، أيلول 2006Dosseman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

أربعة قرون بلا بيت ثابت

ظلّت المدرسة في القرون الأربعة الأولى بعد تأسيسها تنتقل بين مواضع مختلفة، أكثرها قرب البطريركية. وفي سنة 1804 انتقلت إلى قصر مافروكورداتوس في كوروتشيشمه على البوسفور، ثم عادت سنة 1850 إلى الفنار، فعملت في «بيت الحاج حنانون» قبالة البطريركية.

وفي أواخر القرن التاسع عشر أطلق دير في جبل آثوس مسابقة لتصميم مبنى جديد للمدرسة، فقُبل مشروع المعماري كونستانتينوس ديماديس، وهو من خرّيجيها. وتذكر المصادر التركية أن حجر الأساس وُضع في 30 كانون الثاني، لأن هذا اليوم هو «يوم التعليم» عند الأرثوذكس.

نقش يوناني على برج مدرسة الفنار الرومية باسم المعماري كونستانتينوس ديماديس وسنة 1881، تشرين الثاني 2005
نقش يوناني على برج مدرسة الفنار الرومية باسم المعماري كونستانتينوس ديماديس وسنة 1881، تشرين الثاني 2005No machine-readable author provided. CrniBombarder!!! assumed (based on copyright claims). · Public domain · ويكيميديا كومنز

بناء القلعة الحمراء

شُيّد المبنى الحالي بين سنتي 1881 و1883 بأسلوب انتقائي يمزج طُرزًا مختلفة، وبلغت كلفته 17,210 ليرات ذهبية عثمانية، وهو مبلغ ضخم في ذلك العصر. وقدّم المال المصرفي والمموّل الرومي البارز جورجيوس زاريفيس، من أبناء الجماعة الرومية في إسطنبول. وتضيف المصادر التركية أن دير «ياتابيدي» ووجهاء من الروم منهم زافيروبولوس وكورونيس أسهموا في التمويل، وأن زاريفيس أدّى دورًا مهمًا، بفضل شبكة تجارته في مرسيليا، في جلب الآجر الحراري الذي استُورد خصيصًا من مرسيليا.

ومن هذا الآجر الأحمر جاء اسمها الشعبي «المدرسة الحمراء». وتذكر المصادر التركية أن المدرسة انتقلت إلى المبنى الجديد في 12 أيلول 1882، وكان فيها يومئذ 731 طالبًا.

وقد بُني المبنى على أرض كانت ملكًا لديمتري كانتيمير، أحد خرّيجي المدرسة.

مدرسة الفنار الرومية وبرجها ذو القبة فوق سطوح الفنار، وفي البعيد القرن الذهبي، حزيران 2004
مدرسة الفنار الرومية وبرجها ذو القبة فوق سطوح الفنار، وفي البعيد القرن الذهبي، حزيران 2004Dosseman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

العمارة: خامس أكبر قلعة في أوروبا

المبنى متناظر مرتّب على شكل قوس، يلفت النظر بواجهته العريضة العالية وآجره الأحمر وبرجه الغليظ ذي القبة في وسطه، ويشبه منظره من الأعلى نسرًا. ولشكله الشبيه بالقلاع يُسمّى كثيرًا، مع أنه مدرسة، «خامس أكبر قلعة في أوروبا»، ولضخامته يظنّه كثيرون مبنى البطريركية المسكونية، وهي أصغر منه.

والمبنى من الحجر مكسوّ بالآجر الأحمر المجلوب من مرسيليا، ويتألف من أربعة طوابق مع الطابق الأرضي، ومساحته المستعملة 3,020 مترًا مربعًا. ويُدخل إليه من باب أوسط يُصعد إليه بدرجين متناظرين، وعلى المدخل كتابة يونانية معناها «مدرسة الأمة الكبرى البطريركية»، ويقود بهو المدخل المحاط بالأعمدة إلى سائر أقسام المبنى.

وفي قاعة الاحتفالات بالطابق الثاني رسوم جدارية على السقف تصوّر كبار فلاسفة اليونان القديمة، وفي وسط السقف تمامًا القدّيسون الثلاثة الذين يُعدّون في المعتقد الأرثوذكسي حماة التعليم. وفي غرفة الرسم بالطابق نفسه آلة الساعة التاريخية الظاهرة على الواجهة. وفي طابق السطح قاعة صغيرة مدرّجة من ثلاثة مستويات، يعلوها برج من طابقين ارتفاعه 40 مترًا، بُني مرصدًا، وفي قبته الكبيرة مقراب أثري كبير يُستعمل في دروس الفلك.

مدخل مدرسة الفنار الرومية ودرجها الصاعد تحت جدرانها الحمراء العالية، تشرين الثاني 2023
مدخل مدرسة الفنار الرومية ودرجها الصاعد تحت جدرانها الحمراء العالية، تشرين الثاني 2023Another Believer · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الأدوات العلمية ونوّاس فوكو

جُمعت في المدرسة مجموعة كبيرة من الأدوات العلمية، صُنع أكثرها في فرنسا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وفي ألمانيا والنمسا في مطلع القرن العشرين، وأُجريت تعديلات على المبنى لاستيعابها.

ومن أبرز هذه الأدوات نوّاس فوكو صنعته الشركة الألمانية «ماكس كول»، واشتُري سنة 1912. وقد أخذت المؤسسات التعليمية تقتني هذه النوّاسات بعد التجربة الشهيرة التي أجراها الفيزيائي الفرنسي ليون فوكو سنة 1851، وقدّمت دليلًا ملموسًا على دوران الأرض. ويُعتقد أن نوّاس مدرسة الفنار ربما كان أول نوّاس من نوعه في الدولة العثمانية.

في العهد الجمهوري وإلى اليوم

بعد قيام الجمهورية التركية حملت المدرسة اسم «ثانوية الفنار الرومية للبنين». وكان فيها في ستينيات القرن العشرين نحو 450 طالبًا، وكانت البنات يتعلّمن في مبنى مجاور. وفي سنة 1989 بدأت المدرسة تقبل البنات، فانتقلت طالبات «ثانوية يواكيميون للبنات» المجاورة إلى مبناها.

وتواصل المدرسة عملها اليوم باسم «مدرسة الفنار الرومية الخاصة المتوسطة والثانوية»، وتقدّم أربع سنوات للمرحلة المتوسطة وأربعًا للثانوية، بالتركية واليونانية: التاريخ والجغرافيا بالتركية وسائر الدروس بالرومية. وتطبّق، كما يفرض القانون على مدارس الأقليات جميعًا، المنهاج التركي كاملًا، إلى جانب المواد اليونانية: اللغة والأدب والدين. ولها وضع المدرسة الخاصة، لكنها لا تتقاضى رسومًا من الطلاب، وتُغطّى حاجاتها من الوقف الذي تتبعه ومن التبرعات. ويعمل فيها ستة معلمين أتراك وخمسة عشر معلمًا يونانيًا.

ومع تناقص عدد الروم في إسطنبول قلّ عدد طلابها كثيرًا. وهي ثانية المدارس الرومية من حيث عدد الطلاب بعد ثانوية زوغرافيون، وقد ذُكر سنة 2019 أن أكثر طلابها من الأرثوذكس القادمين من هاتاي، وأن فيها 30 طالبًا في العام الدراسي 2025–2026، من نحو 300 طالب في المدارس الرومية كلها.

وفي تشرين الأول 2025 أخطرت وزارة التربية التركية المدرسة بوجوب إخلاء مبناها خلال 90 يومًا لأسباب تتعلق بالسلامة الإنشائية، إذ لم يستوفِ المبنى المعايير المحدّثة لمقاومة الزلازل، وتتجاوز كلفة تدعيمه 10 ملايين يورو. وصرّح مدير المدرسة بأن الإدارة لا تملك الإمكانات المالية لتغطية نفقات التدعيم.

بطاقة المكان

  • الاسم: مدرسة الفنار الرومية Özel Fener Rum Lisesi
  • النوع: مدرسة رومية أرثوذكسية تاريخية (متوسطة وثانوية)
  • البناء: أُسّست سنة 1454، والمبنى الحالي بين 1881 و1883
  • الباني والمعمار: أسّسها البطريرك جناديوس سكولاريوس، وصمّم مبناها المعماري كونستانتينوس ديماديس بتمويل جورجيوس زاريفيس
  • الطراز: انتقائي يمزج طُرزًا مختلفة، من الحجر المكسوّ بالآجر الأحمر
  • المكان: منحدر سنجقدار، محلة بلاط، حيّ الفنار، على القرن الذهبي
  • اليوم: مدرسة خاصة للأقلية الرومية، أخطرتها وزارة التربية بالإخلاء في تشرين الأول 2025 لأسباب إنشائية

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo