ميدان بايزيد: ساحة الحرية في قلب شبه الجزيرة التاريخية

ميدان بايزيد، واسمه الرسمي ميدان الحرية، ساحة واسعة شمال شارع أوردو في منطقة الفاتح، يقع في موضع منتدى ثيودوسيوس البيزنطي. يحيط به جامع السلطان بايزيد الثاني ومدرسته، والمدخل الرئيسي لجامعة إسطنبول، ومكتبة بايزيد الحكومية، وهو على خطوات من البازار الكبير. أُعيد تنظيمه كاملًا وافتُتح بحلّته الجديدة في 6 تشرين الأول 2022.
على أرض منتدى بيزنطي قديم قام أول قصر للعثمانيين في المدينة، ثم جامع بايزيد الثاني، ثم بوابة جامعة إسطنبول، فصار الميدان مرآةً لتاريخ إسطنبول السياسي والشعبي.
ميدان على أرض منتدى بيزنطي
ميدان بايزيد Beyazıt Meydanı ساحة تقع في موضع مركزي من شبه الجزيرة التاريخية في إسطنبول، إلى الشمال من شارع أوردو Ordu Caddesi في منطقة الفاتح. اسمه الرسمي ميدان الحرية Hürriyet Meydanı، لكن الناس يعرفونه باسم ميدان بايزيد نسبةً إلى جامع السلطان بايزيد الثاني القائم على أحد جوانبه، وهو من الجوامع العثمانية المبكرة في المدينة.
ويشغل الميدان في معظمه أرض منتدى ثيودوسيوس، المعروف أيضًا باسم «منتدى الثور» Forum Tauri، الذي تنسب المصادر الإنكليزية إنشاءه الأول إلى قسطنطين الأول (قسطنطين الكبير)، وكان في العصر البيزنطي من أهم ساحات القسطنطينية.
واليوم يحيط بالميدان جامع بايزيد ومدرسته، وبوابة جامعة إسطنبول، ومكتبة بايزيد الحكومية، ويجاوره البازار الكبير الذي يُبلغ من الميدان بخطوات.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.01052, 28.9677. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
القصر القديم وبداية العهد العثماني
بعد فتح القسطنطينية (1453) مباشرة، شُيِّد على الجزء الشمالي من أرض المنتدى القديم أول قصر للعثمانيين في المدينة، واكتمل بناؤه سنة 1458. ولما بُني قصر طوب قابي فيما بعد صار هذا القصر الأول يُعرف باسم القصر القديم Eski Saray.
وبين سنتي 1506 و1512، في عهد السلطان بايزيد الثاني، أُقيمت الكلّية (المجمع) التي تحمل اسمه على الأرض الواقعة جنوب القصر القديم. ومنذ ذلك الحين صارت المساحة المحصورة بين أسوار القصر القديم شمالًا ومباني الكلّية تُعرف باسم ميدان بايزيد.
وكانت أعراس بنات السلاطين وحفلات ختان الأمراء تقام في القصر القديم، وجرت العادة أن تُعرض في ميدان بايزيد «النخلات»، وهي أشجار صناعية مزيّنة تُصنع لهذه المناسبات، ليتفرّج عليها الناس.

ساحة المدينة اليومية
كان الميدان من أكثر أماكن إسطنبول ارتيادًا في حياتها اليومية. ففي أمر صدر سنة 1585 إلى قاضي إسطنبول جاء أن ميدان الخيل (ميدان السلطان أحمد) يُكنس مرة واحدة في السنة، أما ميدان بايزيد فيُكنس مرتين في الشهر، وهو دليل على كثرة من كانوا يرتادونه.
وكان الميدان مسرحًا لتسلية العامة: الموسيقيون، وقارئو الطالع، ومروّضو الحيوانات، والحواة، والبهلوانات، وقد وصف عروضهم ستيفان غيرلاخ Stephan Gerlach الذي زار إسطنبول بين سنتي 1577 و1578.
وبقي الميدان على وظيفته هذه دون تغيير يُذكر حتى القرن التاسع عشر.

كلّية بايزيد: الجامع والمدرسة والحمّام
تتألف كلّية بايزيد من الجامع والعمارة (المطبخ الخيري) والمدرسة، وقد اكتملت كلها في عهد مؤسسها السلطان بايزيد الثاني، ثم أُضيف إليها الحمّام بعد وفاته. ويُعدّ جامع بايزيد Bayezid Camii أقدم جوامع السلاطين الباقية في إسطنبول، لأن جامع الفاتح الأصلي انهدم في زلزال.
وقبته المركزية تسندها من جهتين أنصاف قباب، في تخطيط يشبه تخطيط آيا صوفيا. ولقربه من البازار الكبير، قلب المدينة التجاري، ومن حيّ كثيف السكان، كان طوال العهد العثماني من أكثر الجوامع جماعةً.
أما الحمّام المزدوج فكبير جدًّا، حتى إن قبته تقارب في حجمها قبة الجامع. وكانت المدرسة من أرفع المدارس منزلةً لأن شيخ الإسلام كان يدرّس فيها. وتقوم المدرسة قبالة الجامع عبر الميدان، وقد كانت في الماضي متحفًا للخط، ثم أُغلقت سنوات طويلة، وكانت قيد الترميم سنة 2022.

من الإنكشارية إلى الجامعة: القرن التاسع عشر
بعد إلغاء الإنكشارية في عهد السلطان محمود الثاني، خُصِّص القصر القديم سنة 1826 للجيش الجديد. وفي سنة 1828 بُني هناك برج بايزيد Beyazıt Kulesi، وهو برج لمراقبة الحرائق والإنذار بها، ما زال يُرى من الميدان قائمًا في أرض الجامعة.
وبين سنتي 1864 و1866 شيّد المعماري الفرنسي ماري أوغست أنطوان بورجوا Marie-Auguste Antoine Bourgeois مبنى نظارة الحربية Harbiye Nezareti وبوابته الضخمة، وهو اليوم مبنى رئاسة جامعة إسطنبول. ويُدخل إلى الجامعة من الميدان عبر قوس كبير على طراز عصر النهضة الجديد.
وبين مدخل الجامعة والجامع تقوم مكتبة بايزيد الحكومية Beyazıt Devlet Kütüphanesi التي أُسست سنة 1884. وكان مبناها قبل أن يصير مكتبة مطبخًا خيريًّا وخانًا للقوافل. وقد جُدّدت كليًّا وحُدّثت سنة 2006 على يد مكتب Tabanlıoğlu المعماري، وفي أثناء الترميم عُثر تحت الموقع على بقايا كنيسة بيزنطية.

مشروع بوفار الذي لم يُنفَّذ
في سنة 1901 كلّف السلطان عبد الحميد الثاني سفيره في باريس صالح منير بالبحث عن خبير يجعل أبرز ساحات إسطنبول تضاهي ساحات المدن الأوروبية. فعرض صالح منير المهمة على جوزيف أنطوان بوفار Joseph Antoine Bouvard، المعماري الذي درس في مدرسة الفنون الجميلة وترأس قسم العمارة في معرض باريس الدولي سنة 1900. وقبل بوفار العرض مع أن انشغاله في باريس منعه من زيارة إسطنبول، وتحمّلت الحكومة الفرنسية نفقاته، وقُدّمت مشاريعه هدية رسمية إلى المدينة.
وضع بوفار مشاريعه، ومنها ميدان بايزيد، اعتمادًا على صور المدينة ومخططاتها المرسلة إليه وحدها، فجاءت فيها عيوب كبيرة: لم تقم على مخطط عام، ولم تكن الصلة بينها واضحة، وأُهملت فيها فروق المناسيب في الأرض إهمالًا تامًّا.
وكان مشروعه لميدان بايزيد يقضي بهدم مدرسة بايزيد لتوسيع الساحة وتقسيمها إلى أربع جزر، وببناء «قصر للبلدية» ذي برج عالٍ في الجهة الجنوبية على محور نظارة الحربية نفسه، وبمبنيين متماثلين في الجهة الغربية هما «متحف الصناعة والزراعة» و«مكتبة الدولة». وحاول أن يخفي انحراف زاوية الجامع عن بقية الساحة بتشجير كثيف، بل خطّط لهدم المقبرة الواقعة خلف جدار المنبر وتربة السلطان بايزيد الثاني. ووافقت البيروقراطية العثمانية على المشروع، لكنه لم يُنفَّذ لأن الدولة يومها لم تكن قادرة على نفقاته.

الميدان في عهد الجمهورية
كان ميدان بايزيد من الأماكن القليلة في إسطنبول التي نظّمتها إدارة الجمهورية التركية في سنواتها الأولى، ففي العشرينيات من القرن العشرين بُنيت في وسطه نافورة زخرفية بمبادرة من الوالي علي حيدر بك، وكانت الحافلات ثم خط الترام تدور حول حوضها.
وفي الخمسينيات، مع مشاريع البنية التحتية الكبرى التي أطلقتها حكومة الحزب الديمقراطي وتوسيع الطرق، هُدم الحوض، وطُلب من المعماري سدات حقي إلدم Sedad Hakkı Eldem مشروع للميدان يصل مستوى الجامعة بمستوى شارع أوردو بسلسلة من الدرج، ويبني حوضًا جديدًا قرب الشارع، ويمدّ الساحة إلى الضفة الأخرى من الشارع بمبنى جديد كان يستلزم هدم الجناح الشرقي من السيمكشخانة Simkeşhane. غير أن مشروع إلدم لم يُنفَّذ كما خُطِّط له، وبُني في الميدان تقاطع طرق، ثم توقفت الأعمال بعد انقلاب 27 أيار 1960.
وغيّرت إدارة ما بعد الانقلاب اسم الساحة إلى ميدان الحرية، وأُسند مشروع جديد إلى طورغوت جانسيفر Turgut Cansever إثر مسابقة. أراد جانسيفر ساحة للمشاة، واتخذ زاوية جامع بايزيد أساسًا لاتجاه جديد للميدان، وصمّم أمام بوابة الجامعة درجًا ومنحدرات تتغلب على فرق المنسوب وتقوّم جدار الجامعة غير الموازي للجامع. لكن مشروعه لم يُنفَّذ كاملًا، فصار الميدان بعد أن خُصّص للمشاة موقفًا للسيارات ومحطة للحافلات. ثم فاز في مسابقة لاحقة مشروع من طبقتين بجدار استنادي مزخرف مستوحى من العمارة العثمانية وضعته فيديا دوكمجي ويابراق قارليداغ، ولم يُنفَّذ هو أيضًا.

ساحة الاحتجاج والأحداث الدامية
عرف الميدان أحداثًا سياسية كثيرة. ففي سنة 1915 أُعدم فيه شنقًا عشرون ناشطًا أرمنيًّا، في الحادثة المعروفة باسم «مشانق الهنتشاكيين العشرين».
وكان الميدان موضعًا لاحتجاجات سياسية، منها ما جرى سنة 1969 في اليوم المعروف باسم «الأحد الدامي»، وشهد سنة 1978 هجومًا إرهابيًّا عُرف باسم «مجزرة بايزيد»، وتسميه المصادر التركية «مجزرة 16 آذار».
ودخل الميدان الأدب التركي في قصيدة الشاعر ناظم حكمت Nâzım Hikmet «الميت في ميدان بايزيد» Beyazıt Meydanındaki Ölü.

التجديد الأخير والميدان اليوم
بدأت بلدية إسطنبول الكبرى مشروعًا لتجديد الميدان في تموز 2017 وخطّطت لإنهائه في آذار 2019، ثم توقفت الأعمال. وبعد الانتخابات المحلية سنة 2019 سرّعت الإدارة الجديدة برئاسة أكرم إمام أوغلو العمل، ووضع المعماريان علي كورال ودنيز تشالش كورال مشروع التصميم الحضري، فوافق عليه مجلسا الحماية في 23 حزيران 2021، وبدأ التنفيذ في تموز 2021.
وافتُتح الميدان بحلّته الجديدة في 6 تشرين الأول 2022، في الذكرى التاسعة والتسعين لانتهاء احتلال إسطنبول، بحضور رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو. وفي التصميم الجديد صارت حدود الساحات المتعددة التي يتألف منها الميدان أوضح، واتسعت مساحة المشاة، وأُعيد رسم ممرات الوصول وفق المعايير الشاملة، وتجدّدت أرضية الساحة، وأُضيفت مصاطب للاستراحة والإطلال تُظهر المعالم على نحو أفضل، ومقهيان، وإنارة جديدة للمساء. وحوفظ على الأشجار القائمة وغُرست أشجار ونباتات جديدة.
ويُبلغ الميدان بخط الترام T1، وهو الخط نفسه الذي يوصل إلى البازار الكبير المجاور.
بطاقة المكان
- الاسم: ميدان بايزيد (ميدان الحرية) Beyazıt Meydanı / Hürriyet Meydanı
- النوع: ميدان تاريخي
- البناء: موضع منتدى ثيودوسيوس البيزنطي؛ عُرف باسم ميدان بايزيد بعد إنشاء كلّية بايزيد الثاني (1506–1512)
- المكان: بايزيد، منطقة الفاتح
- اليوم: ساحة عامة للمشاة تحيط بها كلّية بايزيد وجامعة إسطنبول ومكتبة بايزيد الحكومية
- التراث والترميم: أعادت بلدية إسطنبول الكبرى تنظيمه وفق مشروع علي كورال ودنيز تشالش كورال، وافتُتح في 6 تشرين الأول 2022

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.