السياحة في اسطنبول

البوسفور: المضيق الذي يشقّ إسطنبول بين آسيا وأوروبا

البوسفور: المضيق الذي يشقّ إسطنبول بين آسيا وأوروبا

البوسفور مضيق طبيعي طوله نحو 31 كيلومترًا يصل البحر الأسود ببحر مرمرة، ويفصل آسيا عن أوروبا ويقسم إسطنبول إلى شاطئين، وهو أضيق مضيق في العالم تمرّ فيه الملاحة الدولية. كان سبب اختيار قسطنطين موضع عاصمته، وانتقل إلى العثمانيين بفتح القسطنطينية سنة 1453، وتحكمه منذ 1936 اتفاقية مونترو. وتصطف على شاطئيه القرى القديمة والقصور والقلاع ونحو 620 قصرًا مائيًا «يالي».

ممرّ مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 700 متر، عبرته في الأسطورة «آيو» بقرةً، وعبره داريوس على جسر من القوارب، وتنازعت عليه الإمبراطوريات والمعاهدات حتى اليوم.

مضيق بين قارّتين

البوسفور، أو مضيق إسطنبول İstanbul Boğazı، مضيق طبيعي وممر مائي ذو أهمية دولية في تركيا، تقوم على ضفتيه مدينة إسطنبول. يصل البحر الأسود ببحر مرمرة، ويشكّل أحد الحدود بين قارّتي آسيا وأوروبا، ويقسم تركيا نفسها فيفصل الأناضول عن تراقيا. وهو أضيق مضيق في العالم تمرّ فيه الملاحة الدولية.

ويمتد المضيق عمومًا من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، فيقسم إسطنبول إلى الشاطئ الأوروبي والشاطئ الآسيوي، ويمتد العمران على الضفتين كلتيهما إلا في أقصى الشمال، حيث تسكن المدينة الكبرى نحو 17 مليون نسمة. ويُعرف البوسفور مع مضيق الدردنيل عند الطرف الآخر من بحر مرمرة باسم المضائق التركية.

ويُطلق اسم «بوغازيجي» Boğaziçi على أحياء إسطنبول المطلّة على المضيق، ولا سيما الواقعة شمال القرن الذهبي. فعلى الشاطئ الأوروبي من الجنوب إلى الشمال: بشكطاش وأورتاكوي وأرناؤوط كوي وبيبك وروملي حصار وبلطة ليماني وأميرغان وإستينيه ويني كوي وطرابيا وكيرج بورنو وبيوك دره وصارير. وعلى الشاطئ الآسيوي: أسكودار وبيلربي وجنكل كوي وواني كوي وقنديلي وأناضولو حصار وقانليجة وبيكوز.

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.11944, 29.07528. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

الاسم وأسطورة آيو

يأتي الاسم من اليونانية القديمة «بوسبوروس» Βόσπορος، وقد فُسّر شعبيًا بأنه مركّب من «بوس» أي الثور أو البقرة، و«بوروس» أي المعبر، فمعناه «معبر البقرة». وهو إشارة إلى الأسطورة اليونانية عن آيو Io، الفتاة التي أحبّها زيوس فحوّلها إلى بقرة خوفًا من زوجته هيرا، فسلّطت هيرا عليها ذبابة تلاحقها، فهامت في الأرض هاربة حتى بلغت المضيق فعبرته سباحة.

وفي الرواية التي تنقلها المصادر الإنجليزية أنها التقت هناك بالتيتان بروميثيوس، فواساها بأن زيوس سيعيدها إلى هيئتها البشرية، وأنها ستكون جدّة أعظم الأبطال هرقل. ويُروى أنها نزلت إلى البرّ قرب خريسوبوليس، أي أسكودار اليوم، وكان الموضع يُسمّى «بوس» أي البقرة، ويُسمّى أيضًا «داماليس»، لأن القائد الأثيني خاريس أقام فيه نصبًا لزوجته داماليس فيه تمثال ضخم لبقرة. وتضيف الرواية التركية أن آيو ولدت حيث خرجت إلى البرّ بنتًا اسمها كيرويسا، تزوجت إله البحر بوسيدون فولدت له «بيزاس»، الذي أسّس مدينة بيزنطة وسمّاها باسمه.

وعُرف المضيق في التاريخ أيضًا باسم «مضيق القسطنطينية» و«البوسفور التراقي»، وسمّاه البيزنطيون «ستينون» Stenon أي المضيق، وسمّته المصادر التركية القديمة «خليج القسطنطينية» و«مجمع البحرين» و«مضيق إسلامبول».

ومن أساطير اليونان أيضًا أن صخورًا عائمة ضخمة تُسمّى «السيمبليغاديس» أو «الصخور المتصادمة» كانت تحرس جانبي المضيق وتسحق كل سفينة تحاول العبور، حتى نجح البطل جايسون، قائد الأرغونوت، في المرور بينها سالمًا، فثبتت الصخور في مكانها وانفتح طريق اليونانيين إلى البحر الأسود.

سفينة شحن تعبر البوسفور تحت جسر السلطان محمد الفاتح، وخلفها قلعة روملي حصار، تموز 2012
سفينة شحن تعبر البوسفور تحت جسر السلطان محمد الفاتح، وخلفها قلعة روملي حصار، تموز 2012Moonik · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

النشأة والجزر

لا يزال سبب نشوء البوسفور وتاريخه موضع نقاش بين علماء الجيولوجيا. والرأي الغالب في المصادر التركية أنه منخفض صدعي غمرته مياه البحر، نشأ في الزمن الجيولوجي الرابع. فبعد نهاية العصر الجليدي أخذت الكتل الجليدية تذوب، وارتفع منسوب البحر المتوسط حتى طغت مياهه على مرمرة، ثم اتصلت مرمرة بالبحر الأسود.

ومن أحدث الفرضيات «فرضية طوفان البحر الأسود»، التي أطلقها عالمان من جامعة كولومبيا سنة 1997، وتقول إن مياه المتوسط ومرمرة اخترقت البوسفور نحو 5600 ق.م، ثم عُدّل التاريخ سنة 2003 إلى 6800 ق.م، فتدفقت إلى البحر الأسود الذي كان يومئذ بحيرة منخفضة من الماء العذب. وقد دعمت الفرضيةَ اكتشافاتُ المستكشف البحري روبرت بالارد، الذي عثر على مستوطنات على الساحل القديم، ونُشرت أبحاثه في أيار 2001. وربط أصحاب هذا الرأي ذلك الارتفاع الهائل للمياه بقصة طوفان نوح التي تناقلتها الأجيال. غير أن كثيرًا من الجيولوجيين يرون أن المضيق أقدم من ذلك بكثير.

وفي المضيق جزيرتان صغيرتان: الصخرة التي يقوم عليها برج الفتاة قبالة صلاجق، وجزيرة غلطة سراي قبالة كوروتشيشمه. وقد وهبها السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1880 للمعمار الأرمني سركيس باليان، ثم آلت إلى نادي غلطة سراي فحملت اسمه.

قلعة روملي حصار بأبراجها وأسوارها على الساحل الأوروبي من البوسفور، آب 2010
قلعة روملي حصار بأبراجها وأسوارها على الساحل الأوروبي من البوسفور، آب 2010Xabier Armendaritz · CC BY 3.0 · ويكيميديا كومنز

الأبعاد والتيارات

يُحدّ البوسفور شمالًا بالخط الواصل بين منارتي روملي فنري وأناضولو فنري، وجنوبًا بالخط الواصل بين منارة آخر قابي ومنارة إنجي بورنو في قاضي كوي. وطوله بين هذين الحدّين 31 كيلومترًا، وعرضه 3,329 مترًا عند المدخل الشمالي و2,826 مترًا عند المدخل الجنوبي. وأضيق نقطة فيه 700 متر بين رأس قنديلي وآشيان، أي بين قلعة الأناضول وقلعة روملي حصار تقريبًا.

ويتراوح عمقه في الوسط بين 13 و110 أمتار، بمتوسط 65 مترًا. وأعمق نقطة بين قنديلي وبيبك بعمق 110 أمتار، وأضحل المواضع قبالة إنجي بورنو (18 مترًا) وقبالة رأس آشيان (13 مترًا). وللمضيق 12 منعطفًا حادًّا، تبلغ زاوية الانعطاف 45 درجة قبالة قنديلي و80 درجة قبالة يني كوي، ولهذا يبلغ طول الساحل الأوروبي من طرف إلى طرف نحو 55 كيلومترًا، والآسيوي نحو 35 كيلومترًا.

وفي المضيق تياران متعاكسان: تيار سطحي من الماء الأقل ملوحة يجري جنوبًا من البحر الأسود بمعدل 16,000 متر مكعب في الثانية، وتيار سفلي من الماء المالح يجري شمالًا بمعدل 11,000 متر مكعب في الثانية. فالبحر الأسود، الذي تغذّيه أنهار الدانوب والدنيبر والدون، أعلى من مرمرة بنحو 40 سنتيمترًا، وملوحته نحو نصف ملوحة مرمرة. وحين تهبّ رياح «اللودوس» الجنوبية الشديدة تتكوّن تيارات معاكسة قوية يسمّيها أهل إسطنبول «أوركوز»، قد تبلغ سرعتها 6 إلى 7 عقد، وتكون أحيانًا قوية إلى حدّ إلغاء رحلات العبّارات.

يالي أبيضان على الماء في قانليجة على الساحل الآسيوي من البوسفور، تموز 2012
يالي أبيضان على الماء في قانليجة على الساحل الآسيوي من البوسفور، تموز 2012Moonik · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

من داريوس إلى قسطنطين

ترجع الأهمية الاستراتيجية للبوسفور إلى آلاف السنين. فقد أسّس يونانيون قادمون من ميغارا في القرن السابع قبل الميلاد مدينة في موضع شبه الجزيرة التاريخية اليوم، وأسّسوا قبالتها على الشاطئ الآسيوي مدينة خلقيدونية في موضع قاضي كوي، وكانت «سكوتاري» في موضع أسكودار من أقدم مستوطنات المضيق. وفي القرن الخامس قبل الميلاد كانت أثينا، التي تعتمد على القمح المستورد من موانئ البحر الأسود، تحرص على تحالفات مع المدن المتحكمة بالمضيق، ومنها بيزنطة مستعمرة ميغارا.

وحين أراد الملك الفارسي داريوس الأول (حكم 522–486 ق.م) إخضاع فرسان السكيثيين شمال البحر الأسود، عبر البوسفور بجيشه على جسر ضخم من القوارب المربوطة بعضها ببعض، امتدّ فوق ألف متر على الأقل من الماء المفتوح، ثم سار إلى نهر الدانوب.

وكانت الأهمية الاستراتيجية للمضيق من الأسباب التي حملت الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول (قسطنطين الكبير) على تأسيس عاصمته الجديدة القسطنطينية هنا سنة 330 للميلاد، فصارت عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية. وتذكر المصادر التركية أن ضفاف المضيق لم يكن عليها يومئذ، سوى المدن الثلاث، إلا قرى صغيرة يعيش أهلها على صيد السمك.

جسر البوسفور فوق المضيق، وعلى الأفق برج جاملجة، من ساحل أورتاكوي، تشرين الأول 2019
جسر البوسفور فوق المضيق، وعلى الأفق برج جاملجة، من ساحل أورتاكوي، تشرين الأول 2019Dosseman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الصليبيون ثم العثمانيون

ومع تقدّم المسلمين في الشرق صار البوسفور مفتاحًا في عالم متعدد الأقطاب. وفي الحملة الصليبية الرابعة (1204) استولى الكاثوليك على القسطنطينية، مركز الأرثوذكسية، وأقاموا فيها الإمبراطورية اللاتينية، فبقيت المدينة والمضيق تحت حكمها 57 سنة، حتى استعادها الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن سنة 1261. وشنّ العرب والبلغار في أزمنة مختلفة غارات على المدينة عبر المضيق، ثم بدأ العثمانيون يهاجمونها منذ القرن الخامس عشر، وفشل حصار السلطان مراد الثاني سنة 1422 بسبب اضطرابات داخلية في الدولة العثمانية.

وفي حملته الأخيرة بنى العثمانيون تحصينات على جانبي المضيق: قلعة الأناضول (1393) التي بناها السلطان بايزيد الأول، وقلعة روملي حصار (1451) التي بناها السلطان محمد الفاتح قبالتها عند أضيق نقطة، لا للمعركة الكبرى وحدها بل لإحكام السيطرة على المضيق زمنًا طويلًا. وفي 29 أيار 1453، بعد حصار دام 53 يومًا، تمّ فتح القسطنطينية (1453)، فانتهت الدولة البيزنطية وانتقل البوسفور إلى أيدي العثمانيين. ويُعدّ الفتح، مع رحلة كولومبوس الأولى إلى أمريكا سنة 1492، من الأحداث التي تُذكر عادة خاتمةً للعصور الوسطى.

وفي ذروة قوة الدولة العثمانية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر استعملت أهمية المضيق لتبسط سلطانها على البحر الأسود كله، الذي عدّته «بحيرة عثمانية» مُنعت منها السفن الحربية الروسية. وقامت على ضفاف المضيق قرى تركية لأول مرة، وازداد سكان القرى القائمة بعد الفتح.

ثم نظّمت المعاهدات الدولية المرور فيه: فبموجب معاهدة خونكار إسكله سي في 8 تموز 1833 يُغلق البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية للدول الأخرى بطلب من روسيا، ثم أعادت اتفاقية لندن للمضائق في 13 تموز 1841 «القاعدة القديمة» للدولة العثمانية، فأُغلقت المضائق أمام السفن الحربية كلها إلا سفن حلفاء السلطان في الحرب. وكانت السيطرة على المضيق من أهداف الحرب الروسية العثمانية (1877–1878).

قلعة أناضولو حصار بين اليالي والبيوت على الساحل الآسيوي من البوسفور، تشرين الثاني 2013
قلعة أناضولو حصار بين اليالي والبيوت على الساحل الآسيوي من البوسفور، تشرين الثاني 2013Alexxx1979 · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

مصيف السلاطين والسفارات

منذ القرن الثامن عشر صار البوسفور حاضرًا في الثقافة التركية والحياة اليومية. فأنشئت على ضفافه للسلاطين مواضع للصيد وحدائق خاصة ومسارات للتنزّه، وفي عهد الخزامى (عصر التوليب) شُيّدت القصور الصغيرة في أجمل مواضعه، وامتلأت ضفافه بالبيوت الصيفية لأعيان العصر. وشاعت نزهات القوارب في ليالي القمر.

وفي القرن التاسع عشر قامت على التلال المطلّة غابات وحدائق، وعلى الضفاف قصور ساحلية ذات نفَس غربي، أشهرها قصر دولمة بهجة وقصر بيلربي وقصر جراغان.

وكانت كثير من الدول الأجنبية الممثّلة في القسطنطينية تحتفظ في القرن التاسع عشر بسفارات ثانية على أعالي البوسفور، تنقل إليها موظفيها في أشهر الصيف الحارّة الرطبة. وكانت أكثر هذه السفارات الصيفية على الشاطئ الأوروبي: النمساوية في يني كوي، والألمانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية في طرابيا، والإسبانية والروسية في بيوك دره. واحترقت السفارة الصيفية البريطانية سنة 1911.

وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين أحبّت الأسرة الملكية المصرية البوسفور، وكثيرًا ما قضت صيفها على ضفافه، فتركت مباني جميلة منها المبنى الذي في بيبك ويضمّ اليوم القنصلية المصرية، وقصر الخديوي Hıdiv Kasrı على التلّ فوق جوبوقلو.

نقش لمنظر البوسفور من قنديلي رسمه ملّينغ، معروضًا في قاعة عرض بإسطنبول
نقش لمنظر البوسفور من قنديلي رسمه ملّينغ، معروضًا في قاعة عرض بإسطنبولJoseolgon · CC BY 4.0 · ويكيميديا كومنز

من الحرب الكبرى إلى مونترو

في مطلع الحرب العالمية الأولى كانت الدولة العثمانية على الحياد، تمنع السفن الحربية من دخول المضائق، لكنها آوت السفينتين الألمانيتين «غوبن» و«برسلاو»، وأعلنت أنها اشترتهما وسمّتهما «ياووز» و«ميدللي». ثم عبرت السفينتان البوسفور، دون علم المسؤولين العثمانيين كما تذكر المصادر التركية، وقصفتا الموانئ الروسية شمال البحر الأسود، فدخلت الدولة الحرب. وفي سنة 1915 هاجم الحلفاء الدردنيل في معركة غاليبولي.

وبعد الهزيمة وُقّعت هدنة مودروس، وفي 13 تشرين الثاني 1918 دخلت البوسفور لأول مرة أساطيل أجنبية: 55 قطعة، منها 22 بريطانية و12 فرنسية و17 إيطالية و4 يونانية، رست قبالة دولمة بهجة وسراي بورنو، وتسلّم جنودها تحصينات المضيق وترساناته.

نصّت معاهدة سيفر سنة 1920 على نزع سلاح المضيق وجعله منطقة دولية تحت إشراف عصبة الأمم، لكنها لم تدخل حيّز التنفيذ. ثم أعادت معاهدة لوزان سنة 1923 المضائق إلى تركيا، مع حرية المرور لجميع السفن التجارية والحربية الأجنبية، وأبقت لجنة دولية يرأسها مندوب تركي، ونزعت السلاح من المواقع الحساسة حول المضيق.

ومع توتّر الأجواء قبل الحرب العالمية الثانية طالبت تركيا بسلطة أوسع على المضائق، فعُقدت المفاوضات في مدينة مونترو السويسرية، وكان في وفدها وزير الخارجية توفيق رشدي آراس. ووُقّعت اتفاقية مونترو لنظام المضائق التركية في 20 تموز 1936، ولا تزال سارية، وهي تعامل المضائق ممرًا ملاحيًا دوليًا، مع احتفاظ تركيا بحق تقييد مرور السفن الحربية للدول غير المطلّة على البحر الأسود.

وبقيت تركيا على الحياد في الحرب العالمية الثانية حتى شباط 1945، وأغلقت المضائق أمام السفن الحربية للدول المتحاربة، ثم انضمّت إلى حلف شمال الأطلسي سنة 1952، فازدادت أهمية المضائق. وفي سنة 2022، في أثناء الغزو الروسي لأوكرانيا، برزت أهمية البوسفور طريقًا لوصول الحبوب إلى العالم.

البوسفور بين البحر الأسود وبحر مرمرة من محطة الفضاء الدولية، والمياه العكرة تجري فيه جنوبًا، نيسان 2004
البوسفور بين البحر الأسود وبحر مرمرة من محطة الفضاء الدولية، والمياه العكرة تجري فيه جنوبًا، نيسان 2004Astronaut photograph ISS008-E-21752 · Public domain · ويكيميديا كومنز

الضفاف: القرى واليالي والمعالم

كانت ضفاف البوسفور تحفّها قرى صغيرة للصيادين نشأت منذ العهد البيزنطي، وازدهرت حقًا في القرن التاسع عشر. وحتى مطلع القرن العشرين لم يكن الوصول إلى أكثرها ممكنًا إلا بالقوارب المسمّاة «قايق»، إذ لم تكن ثمة طرق ساحلية. وهي اليوم ضواحٍ لإسطنبول الكبرى، لكن كثيرًا منها يحتفظ في اسمه بلاحقة «كوي» أي القرية، مثل أورتاكوي ويني كوي وأرناؤوط كوي وجنكل كوي وواني كوي. وكان لكل قرية طابعها، فأرناؤوط كوي عُرفت بزراعة الفراولة، وجنكل كوي بخيارها الحلو.

وعلى ضفتي المضيق 620 «يالي» yalı، أي قصرًا خشبيًا على الماء، بُنيت في العهد العثماني، وصارت مرادفة لاسم البوسفور. وكانت اليالي تنقسم إلى «السلاملك» للرجال والضيوف و«الحرملك» للنساء والأسرة، ولبعضها حمامات خاصة. وأقدم يالي على الشاطئ الأوروبي «يالي الأشراف» في أميرغان، من القرن الثامن عشر، وكان مدة ملكًا لأشراف مكة. وأقدمها على الشاطئ الآسيوي يالي كوبريلي عمجه زاده حسين باشا في أناضولو حصار، المبني سنة 1698، ولم يبقَ منه إلا قسمه الأوسط.

ومن المعالم على ضفاف البوسفور أو قربها: قصر طوب قابي، وقصر دولمة بهجة، وقصر يلدز، وقصر جراغان، وقصور فريّة، وقصر بيلربي وجامع بيلربي، وقصر كوجوك صو، وقصر عادلة سلطان، وجامع بيبك، وجامعة البوسفور وكلية روبرت، وقلعة روملي حصار، ومتحف صاقب صبانجي، ومتحف صادبرك هانم، وجامع مهرماه سلطان وجامع شمسي باشا في أسكودار، وبرج الفتاة، وقلعة الأناضول، وثانوية قوله لي العسكرية، وقلعة يوروس في أناضولو كواغي.

ويعبر المضيقَ اليوم جسر البوسفور (جسر شهداء 15 تموز، 1973)، وجسر السلطان محمد الفاتح (1988)، وجسر ياووز سلطان سليم (2016) قرب طرفه الشمالي، ويمرّ تحته نفق مرمراي للقطارات (29 تشرين الأول 2013) ونفق أوراسيا للسيارات (20 كانون الأول 2016).

الملاحة والعبور اليوم

البوسفور هو الطريق الوحيد إلى البحر المتوسط لبلغاريا وجورجيا ورومانيا وأوكرانيا وجنوب غرب روسيا. ولا تتقاضى تركيا رسوم عبور، لكنها رفعت سنة 2022 رسوم الخدمات على سفن الشحن بنسبة 500% إلى 4 دولارات للطن، في أول تعديل منذ 1983. ويقع مقرّ «قيادة البوسفور» العسكرية على ضفافه.

والملاحة فيه صعبة: فبين قنديلي وآشيان يلزم تعديل المسار 45 درجة حيث قد تبلغ سرعة التيار 7 إلى 8 عقد، وقبالة يني كوي 80 درجة، والرؤية محجوبة تمامًا قبل المنعطف. وأكثر السفن التي تتعرّض لحوادث هي القادمة من البحر الأسود، يدفعها التيار من خلفها. وقد اقترحت تركيا سنة 2011 شقّ «قناة إسطنبول» غرب البوسفور لتخفيف الخطر عنه، وما زال المشروع موضع جدل.

وأكثر العبّارات العامة التي تجوب المضيق تنطلق من إمينونو وتصل إلى أناضولو كواغي قرب البحر الأسود، متوقّفة على الشاطئين. وتربط عبّارات متواترة إمينونو وقره كوي وبشكطاش وقاضي كوي وأسكودار طوال النهار، وتنطلق الرحلات السياحية من مواضع عدة منها أورتاكوي.

بطاقة المكان

  • الاسم: البوسفور، مضيق إسطنبول İstanbul Boğazı
  • النوع: مضيق بحري طبيعي وممر ملاحي دولي
  • البناء: تكوّن جيولوجي، يُرجَّح أنه في الزمن الرابع، ولا يزال تاريخه موضع نقاش
  • المكان: يشقّ إسطنبول بين الشاطئ الأوروبي والشاطئ الآسيوي، من البحر الأسود إلى بحر مرمرة
  • اليوم: ممر ملاحي دولي تحكمه اتفاقية مونترو (1936)، تعبره ثلاثة جسور ونفقان

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo