السياحة في اسطنبول

القرن الذهبي: الخليج الذي حمى القسطنطينية وسلسلتها الحديدية

القرن الذهبي: الخليج الذي حمى القسطنطينية وسلسلتها الحديدية

القرن الذهبي، «خليج» بالتركية، مصبّ نهري على هيئة قرن يتفرّع من البوسفور عند التقائه ببحر مرمرة، ويفصل شبه الجزيرة التاريخية عن بيوغلو وغلطة. كان منذ آلاف السنين مرفأً طبيعيًا محميًا ومقرًّا لأساطيل البيزنطيين والعثمانيين، وشهد السلسلة الحديدية وحصار 1453، ثم صار منطقة صناعية ملوّثة حتى ثمانينيات القرن العشرين، وهو اليوم حدائق ومتاحف وجامعات على ضفتيه.

خليج على هيئة قرن يمتد سبعة كيلومترات ونصفًا، أغلقه البيزنطيون بسلسلة حديدية، فجرّ السلطان محمد الفاتح سفنه إليه برًّا فوق الأخشاب المدهونة سنة 1453.

مصبّ على هيئة قرن

القرن الذهبي، ويُسمّى بالتركية «خليج» Haliç و«ألتن بوينوز» Altın Boynuz أي القرن الذهبي، ممر مائي حضري كبير، وأهمّ خليج يتفرّع من البوسفور في إسطنبول. يلتقي بالمضيق حيث يلتقي المضيق ببحر مرمرة، ويرسم الحدّ الشمالي لشبه الجزيرة التي قامت عليها بيزنطة ثم القسطنطينية، ورأسها «سراي بورنو».

وهو في الأصل مصبّ جدولَي علي بك وكاغد خانه، غمر البحر جزءًا من مجراهما فصار خليجًا يفصل هضبة إسطنبول التاريخية عن هضبة بيوغلو، ويشكّل مرفأً محميًّا على هيئة قرن، آوى سفن التجارة اليونانية والرومانية والبيزنطية والعثمانية وغيرها آلاف السنين. ويبلغ طوله 7.5 كيلومترات، وعرضه في أوسع موضع 750 مترًا، وأقصى عمقه نحو 35 مترًا عند مصبّه في البوسفور.

وقد صارت كلمة «خليج» العربية، وهي في الأصل اسم جغرافي عام لهذا النوع من المصبّات، علمًا على هذا الخليج منذ العهد العثماني لأهميته للمدينة، ثم صارت اسمًا لمنطقة حضرية تضمّ أحياء كثيرة.

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.02917, 28.96111. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

لماذا «الذهبي»

يُفهم «القرن» على أنه إشارة إلى شكل الخليج كما يُرى من الأعلى، أما «الذهبي» فمعناه أغمض: فبعض المؤرخين يرون فيه إشارة إلى الثروات التي كانت تدخل المدينة عبر مرفئها التاريخي المزدحم، وبعضهم يردّه إلى التصوير الفني الرومانسي للضوء الأصفر الذي يتوهّج على مياهه حين تغرب الشمس على المدينة. ويحمل الاسم المعنى نفسه في اليونانية والإنجليزية.

وفي الأسطورة اليونانية التي تنقلها المصادر التركية أن أهل ميغارا أطلقوا اسم «القرن الذهبي» تكريمًا لكيرويسا، أمّ ملكهم بيزاس مؤسس بيزنطة.

جامع السليمانية فوق التلة وعبّارات القرن الذهبي راسية عند الساحل، أيار 2025
جامع السليمانية فوق التلة وعبّارات القرن الذهبي راسية عند الساحل، أيار 2025Jorge Franganillo · CC BY 2.0 · ويكيميديا كومنز

مرفأ الأباطرة

تدلّ الآثار على وجود حضري كبير على القرن الذهبي وحوله منذ القرن السابع قبل الميلاد على الأقل، وعلى مستوطنات أصغر ترجع إلى نحو 6700 ق.م، كما أكّدت الاكتشافات الحديثة لموانئ قديمة ومخازن وأساطيل من سفن التجارة كُشفت في أثناء أعمال محطة يني قابي ونفق مرمراي.

فقد كان المرفأ الطبيعي العميق الذي يوفّره الخليج مصدر جذب اقتصادي وميزة عسكرية لسكان المنطقة على الدوام. ولهذه الأسباب نفسها أقام الإمبراطور قسطنطين الأول «روما الجديدة»، التي صارت القسطنطينية، فوق مدينة بيزنطة القائمة، كما فعل مؤسسو المستوطنة الأقدم ومن بعدهم إسطنبول الحديثة.

واتخذت الإمبراطورية الرومانية الشرقية القرن الذهبي مقرًّا لقيادتها البحرية، وبنت الأسوار على طول ساحله لتحمي القسطنطينية من الهجمات البحرية.

جسر مترو الخليج وعبّارات القرن الذهبي عند الغروب، نيسان 2025
جسر مترو الخليج وعبّارات القرن الذهبي عند الغروب، نيسان 2025Jorge Franganillo · CC BY 2.0 · ويكيميديا كومنز

السلسلة الكبرى

عند مدخل الخليج من جهته الشمالية كانت تُمدّ سلسلة ضخمة من القسطنطينية إلى برج غلطة القديم لتمنع دخول السفن غير المرغوب فيها، وأول ذكر لها في المصادر يرجع إلى حصار القسطنطينية سنة 717. وكان البيزنطيون يسمّون ذلك البرج «ميغالوس بيرغوس» أي «البرج الكبير»، وقد دمّره الصليبيون اللاتين إلى حدّ بعيد في الحملة الصليبية الرابعة (1204). وفي سنة 1348 بنى الجنويّون قريبًا منه برجًا جديدًا سمّوه «برج المسيح» Christea Turris، وهو برج غلطة اليوم.

وقد كُسرت السلسلة أو تُجووزت في ثلاث مرات مشهورة. ففي القرن العاشر جرّ الروس الكييفيون سفنهم الطويلة من البوسفور برًّا حول غلطة وأنزلوها في الخليج، فهزمهم البيزنطيون بالنار الإغريقية. وفي سنة 1204 تمكّنت السفن البندقية من كسر السلسلة بمِكبس.

وفي سنة 1453 حاول السلطان محمد الفاتح كسر السلسلة بالقوة فلم يفلح، فلجأ إلى حيلة الروس نفسها: جرّ سفنه برًّا عبر غلطة فوق أخشاب مدهونة بالشحم، وأنزلها في الخليج.

ترسانة خليج برافعتها الحمراء على القرن الذهبي، وخلفها برج غلطة، آذار 2013
ترسانة خليج برافعتها الحمراء على القرن الذهبي، وخلفها برج غلطة، آذار 2013Arild Vågen · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

بعد الفتح: الفنار وبلاط وأهل الأديان

بعد فتح القسطنطينية (1453) أسكن السلطان محمد الفاتح الروم على ضفاف الخليج في حيّ الفنار. وبقي اليهود يسكنون بلاط كما كانوا في العهد البيزنطي، وإن غادر كثير منهم بعد الفتح، ثم عاد الحيّ فامتلأ حين دعا السلطان بايزيد الثاني اليهود المطرودين من إسبانيا إلى الاستقرار فيه.

وتذكر المصادر التركية أن الروم والجورجيين واليهود والتجار الإيطاليين وغيرهم من غير المسلمين سكنوا على طول الخليج في الفنار وبلاط، وأن الخليج كان في العهد العثماني منطقة كثيفة السكان من اليهود والروم والأرمن والجورجيين.

وفي سنة 1455 أسّس السلطان محمد الفاتح ترسانة الخليج Haliç Tersanesi، التي يقال أحيانًا إنها أقدم حوض لبناء السفن في العالم. وظلت تعمل في بناء السفن وإصلاحها حتى ستينيات القرن العشرين، ثم أُهملت.

نقش للترسانة على القرن الذهبي من بيرا، من كتاب «جمال البوسفور»، 1838
نقش للترسانة على القرن الذهبي من بيرا، من كتاب «جمال البوسفور»، 1838Julia Pardoe / William Henry Bartlett · Public domain · ويكيميديا كومنز

جسر ليوناردو والتكايا

في سنة 1502 رسم ليوناردو دا فينشي جسرًا بقوس واحد طوله 240 مترًا فوق القرن الذهبي، ضمن مشروع هندسي للسلطان بايزيد الثاني. ولم يُنفَّذ التصميم قط، وتُعرض رسوم ليوناردو وملاحظاته عن الجسر في متحف العلوم والتكنولوجيا في ميلانو. وفي سنة 2001 بُني جسر صغير للمشاة على تصميمه قرب بلدة آس في النرويج على يد الفنان فيبيورن ساند.

وعلى الضفة المقابلة، في سوتلوجه، قامت تكيّة «قره آغاج» في عهد السلطان مصطفى الثالث (1757–1774)، وكانت من أهم التكايا البكتاشية. وقد أُغلقت مع سائر التكايا البكتاشية حين ألغى السلطان محمود الثاني جيش الإنكشارية سنة 1826، ثم أعاد «حسيب بابا» فتحها في عهد السلطان عبد العزيز (1861–1876)، وأُغلقت مرة ثانية في العهد الجمهوري بقانون إغلاق التكايا والزوايا. وتدلّ السجلات العثمانية على أنها كانت تابعة لوقف السلطان بايزيد الثاني وتعمل منذ أوائل القرن السادس عشر.

وكانت قربها تكيّة بكتاشية أخرى تُسمّى «تكيّة غيرسونلو»، هُدمت كلها، وتكيّة «قار ياغدي علي بابا» (1758) التي هُدمت كذلك. وكانت هذه التكايا مما يتردّد عليه مثقفو العهد العثماني.

جسر غلطة القديم فوق القرن الذهبي والمدينة التاريخية خلفه، صورة فوتوغرافية من 1876
جسر غلطة القديم فوق القرن الذهبي والمدينة التاريخية خلفه، صورة فوتوغرافية من 1876Christopher Oscanyan · Public domain · ويكيميديا كومنز

المصانع والتلوّث والتنظيف

في الحرب العالمية الأولى قصفت القوات البريطانية المنطقة سنة 1918.

وصار الخليج في أواخر العهد العثماني والقرن العشرين منطقة صناعية. ومن أبرز منشآته مصنع جبالي للتبغ، الذي أُسّس سنة 1884، وكان إلى جانب إنتاجه الكبير مركزًا مهمًّا للعمل يشغّل عددًا كبيرًا من النساء، وهو وجه أقلّ توثيقًا من تاريخ الخليج الصناعي. ولما تراجع النشاط الصناعي في أواخر القرن العشرين رُمّم المصنع وصار جزءًا من جامعة قادر هاس.

وحتى ثمانينيات القرن العشرين كان الخليج ملوّثًا بالنفايات الصناعية من المصانع والمستودعات وأحواض السفن على ضفتيه. ثم نُظّف على مرحلتين رئيسيتين: في عهد رئيس البلدية بدر الدين دالان في الثمانينيات، الذي وعد بأن يجعل الخليج «أزرق كعينيه»، وفي عهد رئيس البلدية رجب طيب أردوغان في التسعينيات. وفي سنة 2012 اكتمل مشروع يضخّ ماء البوسفور باستمرار إلى جدول كاغد خانه ليتجدّد ماء الخليج. وعادت إليه الأسماك والحياة البرية والنباتات إلى حدّ بعيد.

حلقات من سلسلة القرن الذهبي الحديدية معروضة في متحف عسكري بإسطنبول، تشرين الأول 2016
حلقات من سلسلة القرن الذهبي الحديدية معروضة في متحف عسكري بإسطنبول، تشرين الأول 2016Dosseman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

الضفاف والجسور

على الضفة الغربية للخليج، من الجنوب إلى الشمال، أحياء جبالي والفنار وبلاط وأيوان سراي وأيوب وسلاحدار آغا وسقاريا وعلي بك كوي. وعلى الضفة الشرقية: قاسم باشا وهاسكوي وسوتلوجه.

ويعبر الخليجَ اليوم أربعة جسور، من المنبع إلى المصبّ: جسر خليج (1974) بين سوتلوجه ودفتردار، وجسر أتاتورك أو جسر أون قاباني (1940) بين قاسم باشا وأون قاباني، وجسر مترو الخليج (2014) الذي يحمل خط المترو M2 ويعبره المشاة، وجسر غلطة في نسخته الخامسة (1994) بين قره كوي وإمينونو.

أما جسر غلطة القديم، الذي يرجع إلى سنة 1912، فقد تضرّر كثيرًا سنة 1992 بحريق شبّ في مطبخ أحد المطاعم في طابقه السفلي، ففُكّك ونُقل إلى أعلى الخليج بين أيوان سراي وكججي بيري، ولم يعد يُستعمل للعبور، بل صار مكانًا موسميًا للمعارض والفعاليات ملحقًا بحديقة الخليج.

الخليج اليوم

العمران اليوم على الضفتين كلتيهما، وعلى كل ضفة حدائق وممرات للمشي وأماكن ثقافية. وعلى الساحل غرفة تجارة إسطنبول، ومقابر إسلامية ويهودية ومسيحية، ومتاحف وقاعات للمؤتمرات والثقافة، ومنشآت مساندة للقوات البحرية التركية، وحُرُم جامعات عدة. ويجتذب الخليج بتاريخه وطبيعته نحو 10 ملايين سائح أجنبي في السنة.

وفي موضع ترسانة الخليج القديمة يقوم مشروع «ترسانة إسطنبول» Tersane Istanbul الضخم، الذي يضمّ فنادق ومتاحف وقاعات فنية ومتاجر ومطاعم. وقد أعلن الرئيس أردوغان بدء المشروع في شباط 2019، وبدأ افتتاحه في تشرين الأول 2021 باستضافة معرض «كونتمبوراري إسطنبول» للفن، ومن المقرّر أن ينتقل إليه متحف صادبرك هانم من صارير.

وقد ظهر القرن الذهبي في أعمال أدبية كثيرة ذات موضوعات كلاسيكية، منها قصيدة «ليبانتو» للشاعر الإنجليزي ج. ك. تشسترتون. وفي 29 تموز 2006 استضاف لأول مرة سباق «ريد بُل» الجوي العالمي.

الوصول

تربط عبّارات الخليج، كل ساعة، أسكودار وقره كوي بأكثر الأحياء الواقعة على ضفتيه. وفي سنة 2021 افتُتح خط الترام T5 على الضفة الغربية، ويمتد من محطة حافلات علي بك كوي إلى جبالي عند جسر أتاتورك، ويجري تمديده إلى إمينونو حيث يلتقي بخط الترام T1 وبعدد من خطوط العبّارات.

بطاقة المكان

  • الاسم: القرن الذهبي، خليج Haliç
  • النوع: خليج ومصبّ نهري متفرّع من البوسفور، ومرفأ طبيعي تاريخي
  • المكان: بين شبه الجزيرة التاريخية وبيوغلو، من سراي بورنو إلى علي بك كوي وكاغد خانه
  • اليوم: ممر مائي تحفّه الحدائق والمتاحف والجامعات، تعبره أربعة جسور وتجوبه العبّارات
  • التراث والترميم: نُظّف من التلوّث الصناعي بين الثمانينيات ومطلع القرن الحادي والعشرين

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo