جامع الوالدة العتيق: كلية نوربانو سلطان والمعمار سنان على تلة أسكودار

جامع الوالدة العتيق مسجد سلطاني عثماني من القرن السادس عشر في أسكودار على الشاطئ الآسيوي من إسطنبول، بُني لنوربانو سلطان زوجة السلطان سليم الثاني ووالدة السلطان مراد الثالث. صمّمه المعمار سنان، وبدأ العمل فيه سنة 1571 واكتمل سنة 1586، وكان قلب واحدة من أوسع الكليات في إسطنبول بمدرستها ودار حديثها ودار شفائها وخانها المزدوج.
على تلة تشرف على أسكودار أقامت نوربانو سلطان، أول والدة سلطان حكمت الدولة العثمانية من الحرم، كليةً كاملة صمّمها المعمار سنان ولم تكتمل إلا بعد وفاتها بثلاث سنوات.
الوالدة العتيقة: الاسم والموضع
جامع الوالدة العتيق Atik Valide Camii، ويُسمّى أيضًا «جامع الوالدة القديم» Eski Valide Camii، مسجد سلطاني عثماني من القرن السادس عشر. ومعنى اسمه «جامع الأم الوالدة القديم»، أي جامع الوالدة سلطان الأقدم، تمييزًا له عن جوامع الوالدات التي بُنيت بعده في المنطقة نفسها. وفي سجلات دائرة الإفتاء يُكتب اسمه «جامع الوالدة العتيق».
يقوم الجامع على تلة مرتفعة فوق أسكودار، الحي الكبير الكثيف السكان على الشاطئ الآسيوي من إسطنبول، في الموضع المعروف بسفح طوب طاشي Toptaşı، وهو موضع مهيمن يطل على ما حوله. وتقع المدرسة التابعة له على شارع كارتال بابا Kartal Baba Caddesi، ومنه مدخلها الرئيسي.
ولم يكن الجامع بناءً منفردًا، بل قلب كلية واسعة عُدّت من أكبر مجمّعات المساجد في منطقة إسطنبول، وتُعدّ آخر كلية مكتملة بناها المعمار سنان وبقيت قطعة واحدة إلى اليوم.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.0188, 29.02386. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
نوربانو سلطان: صاحبة الوقف
بُني الجامع لـنوربانو سلطان Nurbanu Sultan، وتُسمّى أيضًا «عفيفة نور بانو والدة سلطان». وهي زوجة السلطان سليم الثاني وأم السلطان مراد الثالث، وكانت من مولد البندقية.
وتُعدّ نوربانو أول والدة سلطان، أي أم السلطان الحاكم، مارست حكمًا فعليًا على الدولة العثمانية من داخل الحرم، في الحقبة التي عُرفت باسم «سلطنة النساء». وقد ارتفعت مكانتها حين اعتلى ابنها مراد الثالث العرش سنة 1574، فصارت الوالدة سلطان، وانعكس ذلك على الجامع الذي كانت تبنيه.
وفي سنة 1583 أُنشئ وقف لبناء الجامع وصيانته، وأُدرجت فيه الضرائب المستحقة على أكراد كلّس وعلى عشيرة رشوان. وفي السنة نفسها توفيت نوربانو سلطان، قبل أن ترى الجامع في صورته الأخيرة.

ثلاث مراحل من البناء بين 1571 و1586
صمّم الجامع كبير معماريي الدولة المعمار سنان، وبُني على ثلاث مراحل. بدأ التخطيط سنة 1571 لجامع صغير بمئذنة واحدة. ومن وضع الأساس سنة 1571 حتى اكتمال الصيغة الأولى سنة 1574 أشرف على العمل معمار سلطاني آخر، لأن سنان كان مقيمًا في أدرنة يبني جامع السليمية Selimiye Camii في تلك الأعوام.
وامتدت المرحلة الثانية من 1577 إلى 1578، فأُضيفت مئذنة ثانية بشرفة واحدة ورواق مزدوج. والأرجح أن هذه الإضافات جاءت نتيجة المكانة الجديدة لنوربانو بعد جلوس ابنها مراد الثالث على العرش سنة 1574 وصيرورتها الوالدة سلطان.
أما المرحلة الثالثة والأخيرة فجرت بين 1584 و1586، بعد وفاة نوربانو سنة 1583، فوُسّع الجامع جانبيًا بإضافة زوج من القباب الصغيرة على كل جانب من جانبي القبة المركزية. وتولّى هذا التوسيع داود آغا Davud Ağa تلميذ المعمار سنان. واكتمل الجامع سنة 1586، بعد ثلاث سنوات من وفاة صاحبته.
وفي عهد السلطان محمود الثاني أُضيف آخر ما أُلحق بالجامع: قصر الخنكار ومحفله، وهو جناح السلطان، بمدخل مستقل وهيئة تشبه بيوت إسطنبول القديمة.

كلية كاملة: من المدرسة إلى الخان المزدوج
ضمّت الكلية إلى جانب الجامع مدرسة، ودار حديث، ودار قرّاء لتعليم تلاوة القرآن، وكتّابًا للصبيان، وتكية للدراويش، ودار شفاء، ومجمّع ضيافة يضم دارًا للضيوف وخانًا مزدوجًا للقوافل، وعمارة لإطعام الفقراء. وبُني حمّام في الفترة نفسها.
يتوسّط الجامع والمدرسة المجمّع، ومن باب في الجهة السفلى من صحن الشاذروان، أي ساحة نافورة الوضوء، يُنتقل إلى المدرسة. والمدرسة من عمل المعمار سنان أيضًا، ولها فناء على مخطط شبه منحرف تحيط به أروقة، وفيها ثماني عشرة حجرة: خمس عشرة للطلاب، واثنتان للمعيدين، وواحدة للبوّاب.
وفي القرن التاسع عشر أُضيفت طوابق علوية إلى مباني دار الضيافة حين حُوّلت إلى مستشفى عسكري وسجن.

قبة على ستة عقود
يغطي قاعة الصلاة قبة مركزية قطرها 12.7 مترًا، تحملها ستة عقود مرتبة على هيئة مسدّس، ومعها عمودان قائمان بذاتهما. وتتسع القاعة بخمسة أنصاف قباب على هيئة حنايا، في إحداها المحراب البارز إلى الخارج، واثنان منها على كل جانب من جانبي القبة.
أما العقد في الجهة الشمالية فيملؤه جدار مستوٍ فيه بوابة الدخول. وتحيط بالداخل من ثلاث جهات أروقة علوية للمصلين.
ومن تفاصيل البناء ما يخالف التقليد العثماني الكلاسيكي: فقد بقيت المئذنتان داخل كتلة البناء بعد التوسيع، وقُطع الرواق الثاني عند مستوى الجدار الشمالي لقاعة الصلاة فدُفن عقد من كل جانب في الجدران المبنية حديثًا.

خزف إزنيق وألواح الخط
جدار القبلة وتجويف المحراب مكسوّان ببلاط إزنيق İznik الخزفي. وعلى الجدارين الجانبيين، عن يمين المحراب ويساره، لوحان خزفيان متطابقان معقودان يصوّران أزهار الربيع وبراعمه، وهما أبرز ما يلفت النظر في الداخل.
وفوق النوافذ تحت الرواق في الواجهة الشمالية عشرة ألواح خطية مستطيلة في أنصاف دوائر. الألواح الستة الوسطى تحمل نص الآية 53 من سورة الزمر، وأما الأربعة الطرفية، اثنان في كل طرف، فأُضيفت حين وُسّع الجامع، وتحمل آيات من سورة الفتح (الآيتان 3 و4).

الجامع اليوم
ما زال جامع الوالدة العتيق مسجدًا تُقام فيه الصلاة، على تلته فوق أسكودار. ويرى الزائر فيه أثر المراحل الثلاث: النواة التي بدأها سنان سنة 1571، والمئذنتين والرواق المزدوج من سنتي 1577 و1578، والقباب الجانبية التي أُضيفت بعد وفاة نوربانو.
وفي أسكودار نفسها جامع آخر يحمل اسم الوالدة هو جامع يني والدة، أي «جامع الوالدة الجديد»، ومن هنا جاء وصف هذا الجامع بـ«العتيق» تمييزًا له عنه.

بطاقة المكان
- الاسم: جامع الوالدة العتيق Atik Valide Camii / Eski Valide Camii
- النوع: جامع سلطاني عثماني وكلية
- البناء: بين 1571 و1586، على ثلاث مراحل: 1571–1574، و1577–1578، و1584–1586
- الباني والمعمار: نوربانو سلطان زوجة السلطان سليم الثاني ووالدة السلطان مراد الثالث؛ التصميم للمعمار سنان، والتوسيع الأخير لتلميذه داود آغا
- الطراز: العمارة العثمانية الكلاسيكية
- المكان: سفح طوب طاشي، منطقة أسكودار
- اليوم: مسجد تُقام فيه الصلاة

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.