السياحة في اسطنبول

التكية المولوية في غلطة: أقدم دار للدراويش المولوية في إسطنبول

التكية المولوية في غلطة: أقدم دار للدراويش المولوية في إسطنبول

التكية المولوية في غلطة، وتُعرف أيضًا بمولوي خانه غلطة أو تكية قوله قابي، أقدم تكية للطريقة المولوية في إسطنبول، تأسست سنة 1491 في عهد السلطان بايزيد الثاني. ظلت تعمل حتى إغلاق التكايا سنة 1925، ثم رُمّمت بين 1967 و1972، وهي اليوم متحف للأدب العثماني والثقافة المولوية تُقام فيه عروض السماع.

منذ سنة 1491 دار الدراويش المولوية في سماع غلطة حول شيخهم، وتحت قبة قاعتها المثمّنة يرقد شعراء الطريقة وموسيقيوها.

تكية الدراويش في غلطة

التكية المولوية في غلطة، وتُعرف بـمولوي خانه غلطة Galata Mevlevihanesi أو تكية قوله قابي المولوية Kulekapı Mevlevihanesi، موقع تاريخي في حيّ غلطة بإسطنبول. تأسست سنة 1491، فهي أقدم تكية للطريقة المولوية في المدينة.

وهي اليوم متحف مخصص للأدب العثماني وللثقافة المولوية، التي تجمع بين العلم والموسيقى والتصوف، وتُقام فيه عروض السماع التي اشتهر بها الدراويش المولوية، المعروفون في العالم بـ«الدراويش الدوّارين».

وقد رأى باحثون فيها، على مفهوم بيير نورا، «موقعًا للذاكرة» يختزن تحولات ثقافية وتاريخية متعاقبة: من أثر جلال الدين الرومي، إلى تحديات قوانين القرن العشرين التي أغلقت التكايا.

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.028, 28.9751. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

الطريقة المولوية

الطريقة المولوية Mevlevilik طريقة صوفية نشأت في قونية، عاصمة سلطنة سلاجقة الروم، أسسها أتباع جلال الدين الرومي، الشاعر والمتصوف والعالم الذي عاش في القرن الثالث عشر، ويُعرف بـ«مولانا». ويحظى صديقه ومرشده شمس التبريزي بالتبجيل في الطريقة وفي التصوف عامة.

تأسست الطريقة بعد وفاة الرومي سنة 1273 على يد ابنه سلطان ولد وحسام الدين جلبي، الذي كان وراء كتابة الرومي «المثنوي». وهما اللذان بنيا ضريح الرومي في قونية، وواصل جهودهما حفيد الرومي أولو عارف جلبي.

ويرى المولوية أن المحبة جوهر الإسلام. ومن أهم ممارساتهم الروحية، بعد العبادات المفروضة، دراسة القرآن ومؤلفات الرومي وخاصة «المثنوي المعنوي»، والمراقبة، والصحبة التي يقودها الشيخ، والسماع، والذكر، والأدب.

وانتشرت الطريقة في العهد العثماني في البلقان وسورية ولبنان ومصر وفلسطين، ولا سيما القدس. وبلغت أوج ازدهارها في عهد السلطان سليم الثالث، الذي قرأ «المثنوي» وعزف على الناي وأدّى الألحان المولوية، وكان يزور التكايا المولوية في إسطنبول.

السماع خانه، قاعة السماع المثمّنة في التكية المولوية في غلطة، بسقفها المزخرف ونوافذها، 2014
السماع خانه، قاعة السماع المثمّنة في التكية المولوية في غلطة، بسقفها المزخرف ونوافذها، 2014Nevit Dilmen (talk) · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

التأسيس والحرائق والترميمات: 1491–1925

أقيمت التكية على أرض كانت ملكًا لـإسكندر باشا، أحد الولاة البارزين، وتأسست في عهد السلطان بايزيد الثاني سنة 1491.

ومرت التكية بعدة ترميمات، أهمها بعد حريق كبير سنة 1766. ثم تتابعت عليها الإصلاحات في عهود السلاطين سليم الثالث ومحمود الثاني وعبد المجيد. وفي أوائل القرن التاسع عشر أضاف إليها حالت سعيد أفندي ضريحين ومكتبة، وأقيم عند مدخلها السبيل وغرفة الموقّت.

وظلت التكية تعمل مدة تزيد على أربعة قرون، يسكنها الدراويش ويتعلمون فيها ويقيمون السماع، ويُدفن في مقبرتها شيوخها وأسرهم وعدد من أعلام الدولة والثقافة.

زخارف مذهّبة في سقف السماع خانه حول دائرته الوسطى، كانون الأول 2016
زخارف مذهّبة في سقف السماع خانه حول دائرته الوسطى، كانون الأول 2016Dosseman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

إغلاق التكايا سنة 1925 والعودة متحفًا

في أيلول 1925 حظرت الجمهورية التركية الناشئة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك الطرق الصوفية، وأُغلقت التكايا، ومنها تكية غلطة التي توقفت عن العمل في تلك السنة. وتنقل المؤسسة الدولية لمولانا أن أتاتورك قال لعبد الحليم جلبي، شيخ المولوية في قونية ونائب رئيس المجلس النيابي الأول، إن المولوية أحدثوا فرقًا كبيرًا بمكافحتهم الجهل والتعصب قرونًا وبإسهامهم في العلوم والفنون، لكن الدولة ملزمة بألّا تستثني تكاياهم، وإن أفكار مولانا وتعاليمه ستبقى، بل ستظهر أقوى في المستقبل.

وكان مصطفى كمال قد التقى أعضاء من الطريقة سنة 1923، قبل أن يصبح نشاطها المؤسسي محظورًا. ومنذ الإغلاق استمرت الممارسة المولوية في تركيا على نطاق أضيق وأكثر خصوصية، وتُقدَّم عروض السماع رسميًا بوصفها فعاليات ثقافية ذات قيمة تاريخية لا شعائر عبادة.

وبعد عقود من الإغلاق رُمّمت التكية بين 1967 و1972، وصارت متحفًا يحفظ تقاليد الطريقة التي جمعت العلم والموسيقى والتصوف.

داخل أحد أضرحة التكية المولوية في غلطة، والتوابيت مغطاة بأقمشة سوداء مطرّزة بالذهب، 2014
داخل أحد أضرحة التكية المولوية في غلطة، والتوابيت مغطاة بأقمشة سوداء مطرّزة بالذهب، 2014Nevit Dilmen (talk) · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

السماع: رقصة الذكر

السماع Sema مراسم مولوية تجري في السماع خانه، أي قاعة السماع، وفق طقس رمزي محدد، يدور فيه الدراويش، ويسمَّون «السماع زن»، في دائرة حول شيخهم. يدفع الدرويش نفسه بقدمه اليمنى في دورة عكس اتجاه عقارب الساعة، وتبقى قدمه اليسرى ثابتة على الأرض محورًا يدور حوله، وذراعاه مرفوعتان إلى مستوى الرأس: كفّه اليمنى إلى الأعلى تتلقى الفيض الإلهي، واليسرى إلى الأسفل تنقله إلى العالم، ومع كل دورة يردد في سرّه اسم «الله».

يدخل الدراويش وعليهم عباءة سوداء «خرقة» ترمز إلى الموت والقبر، يخلعونها قبل الدوران، وعلى رؤوسهم قلنسوة طويلة بنية تسمى «سِكّة» ترمز إلى شاهد القبر وموت النفس. فإذا خُلعت العباءات ظهرت الأثواب البيضاء الطويلة «تنّورة» والسترات البيضاء «دسته غول»، أي «باقة الورد»، رمزًا للبعث.

وتبدأ المراسم بـ«النعت الشريف» في مدح النبي محمد، ويعقبه تقسيم على الناي رمزًا للنَّفَس الإلهي. ثم «دور ولد»، إذ يطوف الدراويش القاعة ثلاث مرات صفًا واحدًا، يحيّي بعضهم بعضًا. ثم «السلامات الأربعة»، وهي صلب المراسم، في أربع حركات موسيقية. وتُختم المراسم بتلاوة من القرآن تتضمن عادة قوله تعالى: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ».

وفي سنة 2005 أدرجت اليونسكو «مراسم السماع المولوية» ضمن روائع التراث الشفهي وغير المادي للبشرية.

نافورة الوضوء التي أهدتها عادلة سلطان سنة 1846، تحت ظلة قائمة على أعمدة في حديقة التكية، كانون الأول 2016
نافورة الوضوء التي أهدتها عادلة سلطان سنة 1846، تحت ظلة قائمة على أعمدة في حديقة التكية، كانون الأول 2016Dosseman · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

قاعة السماع والمباني

أبرز مباني التكية السماع خانه، قاعة السماع ذات المخطط المثمّن والعناصر الباروكية من القرن الثامن عشر. وتُعرض فيها اليوم آلات موسيقية تركية ومخطوطات لشعراء عثمانيين، منهم الشيخ غالب. وفي الطابق العلوي مقام شيخ التكية ومصلّى السلطان.

ويصطف إلى جانبها صف من غرف الدراويش الحجرية التي كانوا يسكنونها. وفي أعلى المبنى المكتبة التي أسسها حالت سعيد أفندي، وتضم 3,455 مجلدًا. وعند المدخل السبيل وغرفة الموقّت، وقد أقيما في أوائل القرن التاسع عشر.

وكانت عروض السماع تقام تاريخيًا كل يوم أحد، في قاعة تتسع لمئة وخمسين شخصًا.

مدخل ضريح الشيخ غالب دده بنوافذه المشبّكة ولوحه المنقوش، أيار 2012
مدخل ضريح الشيخ غالب دده بنوافذه المشبّكة ولوحه المنقوش، أيار 2012VikiPicture · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

الأضرحة والمقبرة

ضريح الشيخ غالب بناه حالت سعيد أفندي في أوائل القرن التاسع عشر، ويرقد فيه الشيخ غالب دده (توفي 1799)، أشهر شعراء المولوية بعد الرومي وسلطان ولد، وصاحب منظومة «حسن وعشق»، الذي وصفته الباحثة أنّه ماري شيمل بأنه ربما كان «آخر أستاذ حقيقي للشعر التركي الكلاسيكي». ويرقد فيه أيضًا إسماعيل رسوخي الأنقروي (توفي 1631)، صاحب الشرح المؤثر على «المثنوي».

وبُني ضريح حالت سعيد أفندي في الوقت نفسه، بمخطط مربع كذلك، وفيه قبور شخصيات بارزة.

وتضم المقبرة قبور شيوخ التكية السابقين وأسرهم، وشخصيات مشهورة منها أحمد باشا الخمبرجي Humbaracı Ahmed Paşa وإبراهيم متفرقة İbrahim Müteferrika. ودُفنت فيها كذلك الموسيقية والملحنة ليلى ساز من أواخر القرن التاسع عشر، وهي من أشهر الموسيقيات في تراث المولوية.

صورة قديمة لُوّنت حديثًا لمباني التكية الخشبية وشواهد القبور في فنائها
صورة قديمة لُوّنت حديثًا لمباني التكية الخشبية وشواهد القبور في فنائهاGargarapalvin · CC BY 4.0 · ويكيميديا كومنز

المولوية والموسيقى العثمانية

ارتبطت الطريقة المولوية على مدى قرون بالفنون في تركيا، وكان عدد من أشهر الموسيقيين الأتراك من المولوية، وأنتجت الطريقة في العهد العثماني قدرًا كبيرًا من الموسيقى الغنائية والآلية. ومن أعلامها مصطفى عطري (1640–1712)، الذي يُعدّ أستاذ الموسيقى التركية الكلاسيكية، وإسماعيل دده (1778–1846)، الذي لحّن «الآيينات» التي تُعزف في مراسم السماع.

ولهذا يجد الزائر في تكية غلطة معًا مكان السماع ومعرض آلاته ومخطوطات شعرائه وقبور أعلامه، فتجتمع في موضع واحد عناصر التراث المولوي كلها: الشعر والموسيقى والذكر.

صورة قديمة لُوّنت حديثًا لواجهة التكية المولوية في غلطة من الشارع المرصوف
صورة قديمة لُوّنت حديثًا لواجهة التكية المولوية في غلطة من الشارع المرصوفGargarapalvin · CC BY 4.0 · ويكيميديا كومنز

بطاقة المكان

  • الاسم: التكية المولوية في غلطة Galata Mevlevihanesi
  • النوع: تكية صوفية مولوية، ومتحف اليوم
  • البناء: سنة 1491 في عهد السلطان بايزيد الثاني
  • الباني والمعمار: أقيمت على أرض إسكندر باشا؛ أضاف حالت سعيد أفندي الضريحين والمكتبة في أوائل القرن التاسع عشر
  • الطراز: قاعة سماع مثمّنة بعناصر باروكية من القرن الثامن عشر
  • المكان: قوله قابي، غلطة
  • اليوم: متحف للأدب العثماني والثقافة المولوية تُقام فيه عروض السماع
  • التراث والترميم: رُمّمت بعد حريق 1766، وفي عهود سليم الثالث ومحمود الثاني وعبد المجيد، ثم بين 1967 و1972؛ مراسم السماع المولوية مدرجة لدى اليونسكو منذ 2005

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo