حيّ بلاط: الحيّ اليهودي القديم على القرن الذهبي

بلاط حيّ تاريخي في منطقة الفاتح على الضفة الغربية من القرن الذهبي، بين الفنار وأيوان سراي، ويأخذ اسمه من قصر بلاخيرنا البيزنطي القريب. كان منذ أواخر القرن الخامس عشر مركز الجماعة اليهودية في إسطنبول، وعاشت فيه جماعات رومية وأرمنية وبلغارية، وهو منذ سنة 1985 ضمن المناطق التاريخية في إسطنبول المدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
منذ أن استقبل السلطان بايزيد الثاني يهود الأندلس الفارّين من محاكم التفتيش صار بلاط بيتهم في إسطنبول، يجاورهم الروم والأرمن والبلغار والمسلمون في أزقة البيوت الملوّنة.
حيّ بين الأسوار والقرن الذهبي
بلاط Balat حيّ في بلدية الفاتح ومنطقتها، في المدينة القديمة على الشاطئ الأوروبي من إسطنبول، يمتد على الضفة الغربية من القرن الذهبي بين حيّ الفنار وحيّ أيوان سراي Ayvansaray. وبلغ عدد سكانه 11,656 نسمة سنة 2022. وقد تشكّل الحيّ بصورته الإدارية الحالية سنة 2008 بضمّ عدة محلات قديمة، منها محلّة تخته منارة ومحلّة خضر جاووش.
ويرجّح أن اسم بلاط مأخوذ من الكلمة اليونانية palation أي «القصر»، وأصلها اللاتيني palatium، نسبةً إلى قصر بلاخيرنا البيزنطي القريب من الأسوار.
وتفصل بقايا الأسوار البحرية للقسطنطينية الحيّ عن ماء القرن الذهبي. وعلى جانبها المطلّ على البحر لوحة تخلّد الموضع الذي اقتحمت منه قوات السلطان محمد الفاتح الأسوار في المعركة التي انتهت بفتح القسطنطينية (1453).
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.0296, 28.948. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
بيت اليهود في إسطنبول
صار بلاط موطنًا لجماعة يهودية كبيرة في أواخر القرن الخامس عشر، حين عرض السلطان بايزيد الثاني الإقامة والرعوية على اليهود والمسلمين الفارّين من محاكم التفتيش في إسبانيا ومن مرسوم الحمراء سنة 1492. وجاء اليهود السفارديون إلى إسطنبول بدعوة منه، وسكن يهود المدينة منذ ذلك القرن في بلاط وفي هاسكوي Hasköy على الضفة المقابلة من القرن الذهبي، وقد وصل بين الضفتين من 1852 إلى 1962 جسر عُرف باسم «جسر اليهود». واجتذب استقرار اليهود في بلاط يهود جورجيا إليه أيضًا.
وفي ذروة ازدهاره ضمّ بلاط 18 كنيسًا، لم يبقَ منها قيد الاستعمال اليوم سوى ثلاثة: كنيس أهريدا وكنيس إستيبول وكنيس يانبول. أما كنيس إلياهو Eliyahu فاستُعمل سنين طويلة مغسلًا للموتى ومستودعًا، ثم أُخلي وهُجر، وانهدم بعد ذلك من الإهمال.
وفي سنة 1899 افتُتح مستشفى أور أحاييم Or-Ahayim الذي صمّمه Gabriel Tedeşci، وقد أُنشئ في الأصل لخدمة يهود بلاط، وهو اليوم يخدم عامة الناس.
وبقي بلاط الحيّ اليهودي الرئيسي في إسطنبول حتى وقت قريب. وتذكر المصادر التركية أن يهود بلاط غادروا إسطنبول بعد أحداث 6–7 أيلول 1955، وأن من بقي منهم انتقل إلى أحياء أخرى من المدينة، فلم يبقَ في الحيّ اليوم إلا قليل منهم.

حيّ الجماعات المتعددة
مع غلبة الطابع اليهودي على بلاط ظلّ الحيّ دائمًا متعدد الثقافات. وتُظهر سجلات «البستانجي باشي» المؤرخة سنة 1815 أن الأرمن والروم والأتراك كانوا يعيشون فيه جنبًا إلى جنب مع اليهود.
فقد كانت فيه تقليديًّا جماعة أرمنية كبيرة، وكان قربه من كنيسة القديس جاورجيوس ومقر البطريركية المسكونية في الفنار المجاور سببًا في وجود جماعة كبيرة من الروم الأرثوذكس، وفيه أيضًا الكنيسة الحديدية البلغارية.
أما اليوم فالغالبية العظمى من سكان بلاط مسلمون. وتذكر المصادر الإنكليزية أن معظم أبناء الأقليات غادروا الحيّ أو أُجبروا على مغادرته في القرن العشرين، بفعل ما تسميه الإبادة الأرمنية وإبادة اليونانيين، وأعمال الشغب المعادية لليونانيين وعمليات الطرد.

صورة الحيّ في عيون الرحّالة، وحادثة 1810
منذ القرن السابع عشر وصف الرحّالة الأوروبيون بلاط بأنه حيّ شديد الفقر سيئ النظافة. غير أن الباحثة Marie-Christine Bornes-Varol ترى أن هذه الأوصاف قد لا تعبّر عن بلاط كله، لأن روايات الرحّالة بُنيت في معظمها على زيارات لـقره باش Karabaş، أفقر أجزاء الحيّ.
وفي سنة 1810 هاجم يهود بلاط دوريات الإنكشارية في الحيّ، قائلين إنهم يدافعون عن أنفسهم من سوء معاملة الفرقة الإنكشارية المحلية لهم، وأُعدم من قُبض عليه منهم بعد الهجوم.

الحرائق التي صنعت الحيّ
شهد بلاط عبر تاريخه حرائق كبيرة كثيرة شكّلت نسيج أحيائه. أولها المسجّل حريق سنة 1303 في العصر البيزنطي. وفي سنة 1510 شبّ حريق كبير امتد من محلّة إلى بلاط ومنه إلى Bahçekapı، فأتى على نحو 800 دكان.
وفي سنة 1639 بدأ حريق في مصنع للشموع خارج باب بلاط، فأذكته الرياح القوية حتى حوّل الحيّ رمادًا مع الصباح، ثم امتد إلى Çukurbostan فأحرق ما بين باب الفنار وتلك الناحية. وفي سنة 1692 بدأ حريق في دكان للندّاف قرب جامع فرّوخ كتخدا وامتد إلى Kesmekaya، فأحرق 1500 بيت ودكان.
وفي سنة 1729 شبّ حريق في دكان خضري خارج باب بلاط، فانتشر سريعًا مع الريح حتى أتى على نحو ثُمن إسطنبول، وامتد من باب الفنار إلى أيوان سراي، وأصاب محيط قصر تكفور إصابة شديدة. وتلته عشرة حرائق أخرى في السنوات 1743 و1746 و1780 و1812 و1866 و1868 و1892 و1911 و1967 و1968، ذهبت فيها أرواح وأموال.

الكنس والكنائس والجامع
كنيس أهريدا أسسه في القرن الخامس عشر يهود قدموا من مدينة أوخريد، وفيه منبر خشبي جميل، وله شأن تاريخي لأن شبتاي تسفي أعلن فيه معتقداته المنشقة سنة 1666. وعلى يمين الداخل من باب بلاط القديم يقوم كنيس يانبول، الذي بُني في القرن الخامس عشر لجماعة من يهود بلغاريا، ويشتهر بسقفه المرسوم.
وعلى شاطئ القرن الذهبي، حيث يلتقي الفنار ببلاط، تقوم كنيسة القديس إسطفان البلغارية المعروفة باسم «الكنيسة الحديدية» Demir Kilise، وقد بُنيت كلها من قطع حديدية جاهزة شُحنت من فيينا عبر الدانوب ثم رُكّبت في بلاط، وهي مقر الإكسرخسية البلغارية التي انفصلت عن البطريركية الأرثوذكسية سنة 1872، وأُعيد افتتاحها بعد ترميم كامل سنة 2018.
وفي مجمّع واسع قرب شارع Vodina Caddesi تقوم كنيسة القديس جاورجيوس متوخي Hagios Georgios Metochi، وكانت في الأصل على الأرجح مصلّى لأحد حكام الأفلاق، ثم صارت في القرن السابع عشر «متوخيًا» مرتبطًا بكنيسة القيامة في القدس. وفيها اكتُشف في أوائل القرن العشرين «طِرس أرخميدس»، حين تبيّن لأحد العلماء أن سبعة كتب للرياضي اليوناني أرخميدس أُعيد استعمال رقوقها في القرن الثالث عشر لصنع كتاب صلوات، ومنها ثلاثة لا تُعرف لها نسخة أخرى.
وأما كنيسة سورب هريشداغابيد Surp Hreşdagabed الأرمنية، أي كنيسة رؤساء الملائكة، فكانت في الأصل كنيسة رومية أرثوذكسية سُلّمت إلى الجماعة الأرمنية الغريغورية سنة 1629، وقد قامت على «أياسما» (نبع مقدس) في القرن السادس عشر وأُعيد بناؤها في القرن الثامن عشر. ووصف الصحفي Tim Kelsey في كتابه «درويش» اجتماعًا مشتركًا للمسلمين والمسيحيين كان يُعقد فيها يومًا في السنة، تُذبح فيه الخراف والديكة رجاءَ شفاء أحد أبناء الجماعة، ولم يعد يُقام. وفي الحيّ أيضًا كنائس رومية قليلة الاستعمال، منها كنيسة القديس يوحنا المعمدان التي ارتبطت بدير سانت كاترين في سيناء.
والجامع الرئيسي في الحيّ هو جامع فرّوخ كتخدا Ferruh Kethüda Camii، من الأعمال الصغيرة التي بناها المعمار سنان (1562)، وحول محرابه نماذج من خزف قصر تكفور، وكانت محكمة بلاط الشرعية تنعقد في فنائه.

البيوت والأزقة
تصطف في أزقة بلاط الخلفية، كما في الفنار المجاور، بيوت حجرية صغيرة متلاصقة من طابقين أو ثلاثة، وبعض القصور الأكبر. وتكثر البيوت التاريخية كلما توغّل الزائر في داخل الحيّ، وهي في الغالب من ثلاثة طوابق بواجهات ضيقة وشرفات مغلقة بارزة في الطابقين الثاني والثالث.
ويقوم بيت المؤرخ ديميتري كانتيمير (1673–1723) إلى يمين الدرجات التي تشكّل زقاق Merdivenli Mektep Sokak، وقد رُمِّم ثم صار جزءًا من حديقة مقهى.

بلاط اليوم
أُدرج بلاط سنة 1985 في قائمة التراث العالمي لليونسكو ضمن «المناطق التاريخية في إسطنبول»، وكان في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة موضوع مشاريع ترميم وإحياء أثارت الجدل.
وفي العشرينيات من القرن الحادي والعشرين صار بلاط من أكثر أنحاء المدينة جذبًا للسياحة، الداخلية منها والخارجية، وتحوّل كثير من بيوته إلى مقاهٍ ومطاعم ونُزُل، وطُليت بيوت كثيرة بألوان زاهية منحت الحيّ طابعه المميز. وصار مقصدًا للمصورين حتى سُمّي «مشغل تصوير في الهواء الطلق»، تكثر في أزقته الضيقة جماعات وأفراد يلتقطون الصور. والمقاهي والقطط من معالمه المألوفة، إلى جانب دكاكين العمال والورش الصغيرة المنتشرة فيه.
ويُبلغ بلاط بخط الترام T5 الذي يصله بحيّ جبالي Cibali وبمحطة الحافلات الصغيرة في Alibeyköy، وتتوقف فيه عبّارات القرن الذهبي التي تصله بأسكودار وقره كوي وقاسم باشا والفنار وأيوان سراي وهاسكوي وأيوب.

بطاقة المكان
- الاسم: حيّ بلاط Balat
- النوع: حيّ تاريخي
- البناء: حيّ بيزنطي قديم؛ استقرت فيه الجماعة اليهودية منذ أواخر القرن الخامس عشر في عهد السلطان بايزيد الثاني
- الطراز: بيوت حجرية متلاصقة من طابقين أو ثلاثة بشرفات مغلقة بارزة
- المكان: بلاط، منطقة الفاتح، على الضفة الغربية من القرن الذهبي
- اليوم: حيّ سكني تغلب عليه المقاهي والنُّزُل السياحية، فيه كنس وكنائس وجوامع تاريخية
- التراث والترميم: ضمن «المناطق التاريخية في إسطنبول» في قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ 1985

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.