صهريج شرفية: صهريج ثيودوسيوس الذي عاد إلى الضوء سنة 2010

صهريج شرفية أو صهريج ثيودوسيوس خزّان ماء بيزنطي تحت الأرض في منطقة الفاتح، مدخله الحديث في شارع بيير لوتي. بناه الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني بين سنتي 428 و443 ليخزن ماء قناة فالنس ويوزّعه على قصر القسطنطينية الكبير وحمّامات زيوكسيبوس، ونُسي زمنًا طويلًا ثم كُشف سنة 2010 ورُمِّم وصار متحفًا منذ 2018.
بقي صهريج بناه ثيودوسيوس الثاني في القرن الخامس مدفونًا تحت قصر عثماني ودار بلدية قرابة قرن، حتى كُشف سنة 2010 حين هُدمت مبانٍ ملحقة بالبلدية، ثم فُتح متحفًا سنة 2018.
صهريج تحت شارع بيير لوتي
صهريج شرفية Şerefiye Sarnıcı، ويُعرف أيضًا باسم صهريج ثيودوسيوس Theodosius Cistern، واحد من صهاريج كثيرة قديمة ترقد تحت مدينة إسطنبول، في منطقة الفاتح داخل شبه الجزيرة التاريخية. ومدخله الحديث في شارع بيير لوتي Piyer Loti Caddesi.
ويقع في جنوب كتلة البناء التي يحدّها شارع ديوان يولو وشارع بيير لوتي وزقاق بوياجي أحمد وزقاق دوستلوق يوردو. أمّا في خريطة القسطنطينية البيزنطية فكان جنوب طريق «ميسي» الرئيسي، وإلى الجنوب الشرقي من ساحة قسطنطين، وإلى الغرب من صهريج فيلوكسينوس (صهريج بن بير دِرَك)، وكان من الصهاريج التي تستطيع الإفادة من خطّ جرّ الماء الممتدّ على طريق ميسي.
ويعود اسم «شرفية» إلى الحيّ الذي كان يقع فيه في العهد العثماني، فعُرف به محلّيًّا.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.00725, 28.9726. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
مدينة بلا ماء كافٍ
كانت القسطنطينية قائمة على شبه جزيرة فقيرة بموارد الماء، ولم يكن نهر ليكوس الذي يجري فيها مصدرًا كافيًا، فكان لا بدّ من جلب الماء من خارجها بخطوط جرّ بُنيت منذ العصر الروماني. واحتاجت المدينة كذلك إلى خزن الماء بسبب كثافة سكّانها والحصارات التي تعرّضت لها، فبنت على مرّ القرون عددًا كبيرًا من الصهاريج المكشوفة والمسقوفة.
وفي عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني وُسِّعت أسوار المدينة نحو الغرب، واكتمل بناء الأسوار سنة 413. وتذكر المصادر المكتوبة القديمة أنّ خمسة صهاريج بُنيت في المدينة بين سنتي 406 و459، ويُربط هذا التوسّع الكبير في قدرة المدينة على خزن الماء بزيادة السكّان وبهجمات القبائل البربرية عليها.

البناء في عهد ثيودوسيوس الثاني
بنى الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني هذا الصهريج بين سنتي 428 و443، ليخزن الماء الذي تأتي به قناة بوزدوغان (قناة فالنس). وكان الصهريج يعيد توزيع ماء القناة من مصدره الأصلي على النافورة العامة المعروفة بالنمفيوم، وعلى حمّامات زيوكسيبوس، وعلى قصر القسطنطينية الكبير.
ويؤرَّخ البناء بحسب تقنية تشييده بالربع الثاني من القرن الخامس، ومن هنا نُسب إلى ثيودوسيوس الثاني وسُمّي باسمه. وتؤرَّخ تيجان أعمدته الكورنثية كذلك بالقرن الخامس، وكانت المواد الجديدة يومئذ سهلة المنال، فصُنعت التيجان خصّيصًا له، على خلاف صهاريج أحدث عهدًا مثل صهريج البازيليك الذي بُني في عهد جستنيان الأول واستُعملت فيه تيجان منقولة من مبانٍ أقدم.
ويُذكر في وثيقة «نوتيتيا أوربيس» صهريج باسم ثيودوسيوس بُني قبل سنة 425، وهو غير هذا الصهريج؛ إذ يرى الباحثون كرو وبارديل وبايليس أنّ ذلك الصهريج هو صهريج جاغال أوغلو في شارع باب عالي أو صهريج فيلوكسينوس القريب منه.

العهد العثماني: صهريج منسيّ تحت قصر
في العهد العثماني لم تكن الصهاريج تُستعمل، لأنّ الماء الراكد كان يُعَدّ غير صحّي. وفي أواخر القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين بُني فوق الصهريج قصر عارف باشا، فنُسي وجود الصهريج نسيانًا تامًّا.
وكان الباحثان فورشهايمر وسترزيغوفسكي أوّل من وثّق الصهريج سنة 1893، غير أنّه بقي مخفيًّا تحت المباني سنين طويلة بعد ذلك.

من دار أمانة المدينة إلى بلدية إمينونو
منذ سنة 1912 صار قصر عارف باشا مقرًّا لأمانة المدينة (شهر أمانتي)، أي إدارة بلدية إسطنبول في ذلك العهد. وبين سنتي 1930 و1984 استُعمل مبنى لخدمات بلدية إسطنبول، ثم صار بعد ذلك مقرًّا لبلدية إمينونو.
وهكذا ظلّ الصهريج البيزنطي قرابة قرن تحت مكاتب الإدارة البلدية، يمرّ فوقه الموظّفون والمراجعون ولا يرونه.

الكشف سنة 2010 والترميم
بدأت أعمال الترميم في الصهريج سنة 2004. وفي سنة 2010 هدمت بلدية إسطنبول الكبرى المباني الملحقة بدار البلدية، فظهر الصهريج من جديد تحتها.
وبين سنتي 2013 و2018 صمّم مكتب جعفر بوزقورت للعمارة ونفّذ مشروعًا صغيرًا للتصميم العمراني بعنوان «مبنى المدخل وتنسيق المحيط». وبعد نحو ثماني سنوات من الترميم فُتح الصهريج للجمهور، على غرار صهريج البازيليك وصهريج بن بير دِرَك، وصار يعمل متحفًا منذ سنة 2018.

العمارة: اثنان وثلاثون عمودًا وخمس وأربعون قبّة
الصهريج قاعة مسقوفة مستطيلة ذات صفوف كثيرة من الأعمدة، تبلغ أبعادها نحو 20 مترًا في 40 مترًا. وفيها 32 عمودًا من الرخام، أربعة في الضلع القصير وثمانية في الضلع الطويل، والمسافة بين عمود وآخر نحو 3.90 أمتار، وقطر العمود 80 سنتيمترًا. ويُنزل إلى الصهريج من واجهته الجنوبية بدرج حجري.
ويحمل الأعمدة سقف من 45 قبّة شراعية في وسط كلّ منها ثقب، وتنقل العقود ثقل السقف إلى الأعمدة، ويبلغ ارتفاع السقف نحو 11 مترًا. وتيجان الأعمدة كلّها من طراز واحد هو الطراز الكورنثي بأوراق الأقنثة المنمّقة، منحوتة من رخام بروكونيسوس، أي رخام جزيرة مرمرة، ويعلوها تاج ثانٍ مكعّب يحمل العقد. ويبلغ ارتفاع التاج الكورنثي 88 سنتيمترًا، والتاج الذي فوقه 90 سنتيمترًا.
ويبلغ سمك الجدران نحو 2.5 متر، وهي من الآجرّ والملاط الخراساني، والآجرّة الواحدة 35 في 35 سنتيمترًا بسماكة 4 سنتيمترات. وقد كُسيت الجدران من الداخل حتى مستوى تيجان الأعمدة بطلاء لا ينفذ منه الماء، يبلغ ارتفاعه 7.65 أمتار، وجُعلت الزوايا منحنية لتقاوم ضغط الماء. وفي أعلى الجدران، عند مستوى العقود، ست عشرة فتحة نافذة على مسافات متساوية، للتهوية ولتصريف الماء الزائد حتى لا يفسد الماء المخزون.
وقد حُفظ مخطّط البناء كما هو، وبنيته الحاملة سليمة.

الصهريج اليوم
صهريج شرفية اليوم متحف مفتوح للزوّار، وقد جُهّز بنظام عرض ضوئي يحيط بالزائر من جميع الجهات بزاوية 360 درجة، مدمج في بنية الصهريج نفسها، فتُعرض الصور والأضواء على الأعمدة والقباب والجدران.
ويقع الصهريج قريبًا من شارع ديوان يولو، على مسافة قصيرة من صهريج بن بير دِرَك وميدان السلطان أحمد، فيمكن جمعه مع الصهاريج الأخرى في جولة واحدة تعرّف الزائر بالطريقة التي كانت القسطنطينية تخزن بها ماءها.
بطاقة المكان
- الاسم: صهريج شرفية (صهريج ثيودوسيوس) Şerefiye Sarnıcı
- النوع: صهريج بيزنطي تحت الأرض
- البناء: بين سنتي 428 و443 في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني
- الباني والمعمار: الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني
- الطراز: عمارة بيزنطية من القرن الخامس، أعمدة بتيجان كورنثية وقباب شراعية
- المكان: شارع بيير لوتي، منطقة الفاتح
- اليوم: متحف منذ سنة 2018
- التراث والترميم: بدأ ترميمه سنة 2004، وكُشف سنة 2010، ونُفّذ مشروع مبنى المدخل وتنسيق المحيط بين 2013 و2018

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.