زنازين أنيماس: سجن الأباطرة تحت قصر بلاخيرناي

زنازين أنيماس بناء بيزنطي ضخم ملاصق لأسوار القسطنطينية في ضاحية بلاخيرناي، حيّ أيفان سراي في منطقة الفاتح قرب القرن الذهبي. كان جزءًا من الأساسات التي قام عليها قصر بلاخيرناي، وهو الأثر الوحيد الباقي منه، ويُنسب إلى القائد ميخائيل أنيماس الذي سُجن فيه في مطلع القرن الثاني عشر، ثم تعاقب عليه السجناء حتى القرن الرابع عشر.
تحت أسوار القسطنطينية في حيّ أيفان سراي بناءٌ بيزنطي هائل حُبس فيه ثائرون وبطاركة وأربعة أباطرة، وحمل اسم أول سجين دخله.
بناء عند طرف السور
زنازين أنيماس Anemas Zindanları بناء بيزنطي كبير ملاصق لأسوار القسطنطينية في ضاحية بلاخيرناي القديمة، وهي اليوم حيّ أيفان سراي Ayvansaray في منطقة الفاتح، على الطرف الشمالي الغربي للمدينة التاريخية قرب القرن الذهبي. جرت العادة أن يُربط البناء بالسجن الذي حمل اسم ميخائيل أنيماس، القائد البيزنطي الذي ثار على الإمبراطور ألكسيوس الأول كومنينوس (حكم 1081–1118) وكان أول من سُجن فيه.
يقع البناء بين السور الذي شيّده الإمبراطور مانويل الأول كومنينوس (حكم 1143–1180) في منتصف القرن الثاني عشر، والأسوار الأقدم التي تُنسب إلى الإمبراطورين هرقل (حكم 610–641) وليو الخامس الأرمني (حكم 813–820)، ويصله بسور مانويل من جهة الشرق جزء قصير من الحائط.
يقع البناء أسفل جسر الخليج، قبالة جامع يا ودود Ya Vedüd Camii. وتظهر الزنازين من جهة الغرب لمن يسلك الطريق المحاذي للأسوار، أما من جهة الشرق فتختفي بسبب فارق الارتفاع تحت جامع قاضي عسكر إيواز أفندي Kazasker İvaz Efendi Camii الذي بُني فوقها قبل أن تُكتشف. وأفضل طريق لرؤيتها الخروج من باب أدرنة قابي Edirnekapı إلى خارج السور والسير بمحاذاته نحو القرن الذهبي، حيث تمتد مساحة خضراء بين الطريق وواجهة الزنازين.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.03848, 28.94083. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
قصر بلاخيرناي الذي قام فوقها
لا يُفهم هذا البناء إلا بما كان فوقه: قصر بلاخيرناي Palace of Blachernae، المقر الإمبراطوري الذي شُيّد نحو سنة 500 على المنحدرات الشمالية للتلة السادسة من تلال المدينة، وسُوّيت التلة على مصاطب متدرّجة لتحمل مبانيه. وكان المقر الرئيسي للأباطرة بين القرنين الرابع والحادي عشر هو القصر الكبير في الطرف الشرقي من المدينة، غير أن قصر بلاخيرناي استُعمل أحيانًا، ويذكره كتاب المراسم الذي وضعه الإمبراطور قسطنطين السابع المولود في الأرجوان (حكم 913–959) في القرن العاشر.
ضمّ القصر يومئذ قاعات عدة، منها قاعة أنستاسيوس التي بناها الإمبراطور أنستاسيوس الأول (حكم 491–518)، وقاعة «المحيط»، ورواق يوسف، وقاعة «الدانوب» التي كانت تتصل بسلالم بكنيسة السيدة العذراء في بلاخيرناي القريبة.
في أواخر القرن الحادي عشر نقل ألكسيوس الأول كومنينوس مقرّه الرئيسي إلى هنا، ثم تولّى هو وحفيده مانويل الأول أعمالًا كبيرة فيه، فحصّنا حرم القصر وأقاما قاعات جديدة. ويُنسب إلى مانويل بناء سور خارجي متقن وقاعات فخمة، منها قاعة إيرين التي سُمّيت باسم الإمبراطورة إيرين المجرية، و«القاعة النفيسة». وفي أثناء الحملة الصليبية الثانية استقبل مانويل في هذا القصر ملك فرنسا لويس السابع وزوجته إليانور الآكيتانية، وصار المجمع يُعرف حينئذ بـ«القصر الجديد».
بعد الحملة الصليبية الرابعة (1204) فضّل الأباطرة اللاتين قصر بوكوليون، فلما استعاد البيزنطيون المدينة سنة 1261 أعاد أباطرة أسرة باليولوغ قصر بلاخيرناي مقرًّا رئيسيًّا لهم. ثم دُمّر القصر بعد فتح القسطنطينية (1453)، وقد ذكر المؤرخ العثماني طورسون بك عرضًا أن الجنود نهبوه مع دور الأثرياء في أيام النهب الثلاثة. ومن منشآت ذلك العهد لم يبق قائمًا إلا ما يُعرف بسجن أنيماس، الذي كان جزءًا من البنية السفلية للقصر. أما قصر تكفور القريب منه جنوبًا فكثيرًا ما يُربط بمجمع بلاخيرناي.

أول سجين: ميخائيل أنيماس
تروي الأميرة آنا كومنينا في كتابها «الألكسياد» Alexiad أن ميخائيل أنيماس كان أول من سُجن في هذا البرج، وباسمه سُمّي البرج والسجن بعد ذلك. وتذكر المصادر التركية أن جدّه القائد العربي عبد العزيز القرطبي، آخر المدافعين عن جزيرة كريت ومدينة الخندق، أُسر بعد سقوطها سنة 961 وحُمل إلى القسطنطينية، فاعتنق المسيحية واستقر فيها، وصار أبناؤه من أبرز قادة الجيش البيزنطي.
سنة 1107، في وقت كانت الدولة تتلقى فيه الضربات من الداخل والخارج، دبّر ميخائيل أنيماس مع ثلاثة من إخوته وعدد من كبار الموظفين مؤامرة على الإمبراطور ألكسيوس الأول، لكنها انكشفت باعتراف متآمر اسمه يوحنا سالومون. فحُكم على المتآمرين بالسجن وسمل العيون، وهي العقوبة المعتادة للخونة، وطيف بهم في المدينة مهانين.
وحين كان أنيماس يُقاد في الشارع الأوسط «ميسي» Mese أثارت توسلاته عطف الناس وعطف آنا نفسها، فشفعت له هي وأمها عند أبيها. فعُفي من سمل العينين، وحُبس سنوات عدة في البرج الذي سيحمل اسمه. وتذكر المصادر أن هذا البرج لم يكن قبل ذلك سجنًا، وأنه صار سجنًا بحبس أنيماس فيه.

الثائرون والبطاركة من بعده
وصل السجين التالي قبل أن يُعفى عن أنيماس ويُطلق سراحه: غريغوريوس تارونيتيس، حاكم إقليم خالديا حول طرابزون، الذي استغل عزلة إقليمه فحاول أن يستقل به سنة 1104، وقُبض عليه وهو يستعد لطلب النجدة من الدانشمنديين. وتقول «الألكسياد» إنه بقي متحديًا حتى بعد أسره، فطال حبسه قبل أن يُعفى عنه ويُطلق سراحه.
ثم جيء إليه بالإمبراطور المخلوع أندرونيكوس الأول كومنينوس (حكم 1183–1185) بعد أن ثار عليه أهل القسطنطينية ونُصّب إسحاق الثاني أنجيلوس مكانه، فحاول الفرار وقُبض عليه، وحُبس هنا مدة قصيرة عشية إعدامه علنًا في ميدان سباق القسطنطينية في 12 أيلول 1185.
ومن سجنائه المعروفين بعد ذلك يوحنا بيكوس، حافظ سجلات آيا صوفيا يومئذ وبطريرك القسطنطينية لاحقًا باسم يوحنا الحادي عشر، وقد حُبس لمعارضته مسعى الإمبراطور ميخائيل الثامن باليولوغ (حكم 1259–1282) إلى توحيد الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية الرومانية.
وفي سنة 1322 سُجن فيه سيرغيانيس باليولوغ، الذي تآمر مع الإمبراطور أندرونيكوس الثاني باليولوغ (حكم 1282–1328) وعليه، ومع حفيده وخصمه أندرونيكوس الثالث (حكم 1328–1341) وعليه، في الحرب الأهلية بينهما. وكانت ظروف حبسه مريحة نسبيًّا، ثم عُفي عنه وأُعيد إلى مناصبه سنة 1328.

أباطرة في الزنزانة
في آخر قرون الدولة البيزنطية حُبس في هذا السجن أربعة أباطرة. ويذكر المصدر التركي أن الإمبراطور إسحاق الثاني أنجيلوس خُلع سنة 1195 على يد أخيه ألكسيوس الثالث، فسُملت عيناه وحُبس في زنزانة أنيماس مع ابنه ألكسيوس. ثم فرّ الابن الصغير إلى أوروبا وطلب العون، فجاءت الحملة الصليبية الرابعة إلى القسطنطينية، وأُخرج إسحاق من حبسه في قصر بلاخيرناي وأُعيد إلى العرش (حكم مرة ثانية 1203–1204).
وعاد السجن إلى الاستعمال في صراعات أسرة باليولوغ في سبعينيات القرن الرابع عشر. فقد ثار أندرونيكوس الرابع، الابن الأكبر للإمبراطور يوحنا الخامس باليولوغ (حكم 1341–1376 و1379–1391)، على أبيه متحالفًا مع صاوجي بك ابن السلطان العثماني مراد الأول، فأُخفقت الثورة وسُملت عينا الاثنين. ولم يفقد أندرونيكوس بصره كله بفضل شفقة الجلاد، وحبسه أبوه في سجن أنيماس.
لكن أندرونيكوس فرّ من سجنه سنة 1376 بعون الجنويين والعثمانيين، واغتصب العرش من أبيه ثلاث سنوات (1376–1379)، وحبس في المدة نفسها أباه يوحنا الخامس وأخويه الأصغرين مانويل، الإمبراطور مانويل الثاني لاحقًا (حكم 1391–1425)، وثيودور في السجن ذاته. ثم فرّ يوحنا من الحبس بعون أجنبي ولجأ إلى السلطان مراد الأول، واستعاد عرشه، وصالح ابنه أندرونيكوس ومنحه أرضًا.

الجدار الهائل والحجرات الاثنتا عشرة
الجدار الخارجي للبناء مرتفع ارتفاعًا استثنائيًّا، إذ يبلغ 23 مترًا فوق الأرض التي أمامه، وتتراوح سماكته بين 11 و20 مترًا. وخلف هذا الجدار الساتر يتألف البناء من اثنتي عشرة حجرة في ثلاثة طوابق. وتُفسَّر هذه المتانة بأن البناء كان الجدار الساند الغربي للتلة الكبيرة المدرّجة التي أقيم عليها قصر بلاخيرناي في أواخر العهد البيزنطي.
يتكوّن البناء الرئيسي من ثلاثة عشر جدارًا عرضيًّا داعمًا، يخترق كلًّا منها ثلاثة عقود من الآجر بعضها فوق بعض، فتنشأ اثنتا عشرة حجرة يتراوح عرض الواحدة بين 9 و13 مترًا، وسقوفها أقبية نصف أسطوانية. والجداران الطوليان غير متوازيين، بل يتباعدان كلما اتجها شمالًا. وفي الجدار الشرقي ممرّان متراكبان في الطابقين العلويين، محفوران في جسم الجدار، تنيرهما مزاغل في واجهتيه. أما حجرات الطابق السفلي فلا نوافذ لها، في حين تدخل الطابقين العلويين إضاءة من فتحات صغيرة في الجدار الغربي، ويصل برجٌ فيه سلّم حلزوني البناء الرئيسي بالبرجين.
تدل النوافذ غير المنتظمة، التي غطت الإضافات اللاحقة بعضها، على أن البناء شُيّد وعُدّل على مراحل. فالجدار الشرقي المواجه للمدينة جاء أولًا، سورًا دفاعيًّا بسيطًا له أروقة تُرمى منها السهام والمقذوفات عبر المزاغل، ثم أضيف باقي البناء على الأرجح تدعيمًا لتلة القصر. ووظيفة الحجرات غير واضحة: فقد عُدّت زنازين، ومن هنا انتقل اسم «سجن أنيماس» إلى البناء كله، لكن ذلك لم يثبت ثبوتًا قاطعًا، وربما كانت مخازن، أو كان الطابقان العلويان منها على الأقل مهاجع للجند. ويُذكر في الوصف التركي أن البناء يتألف من 14 حجرة تحتها قبو من طابقين، وأن فيه أنفاقًا تحت الأرض وصهاريج كالمتاهة.

برجا أنيماس وإسحاق أنجيلوس
في الواجهة الخارجية برجان مستطيلان متجاوران يشتركان في جدار واحد، ويسندهما دعامة هائلة يقارب ارتفاعها 8 أمتار فوق الأرض، وتبرز أمام البرجين ما بين 6.5 و9 أمتار. ويختلف البرجان في طريقة البناء اختلافًا كبيرًا يمتد إلى حواجز الشرفات، مما يدل على أنهما بُنيا في زمنين مختلفين.
البرج الجنوبي، المواجه لجهة إيري قابي Eğrikapı، بناء رباعي غير منتظم من طابقين، حجارته متفاوتة جدًّا، أُدخلت فيها أعمدة حجرية لم يُدفن بعضها كاملًا، ودعامته من حجارة صغيرة غير منتظمة. وطابقه العلوي الفسيح ونوافذه الكبيرة وشرفته المطلة غربًا توحي بأنه كان برجًا للسكن. ولذلك يُعرف تقليديًّا بـبرج إسحاق أنجيلوس، إذ يروي المؤرخ نيكيتاس خونياتس أن الإمبراطور إسحاق الثاني أنجيلوس (حكم 1185–1195 و1203–1204) بناه حصنًا ومسكنًا خاصًّا معًا، مستعملًا مواد من كنائس متهدّمة، ويؤرخه المصدر التركي بسنتي 1186–1187.
وأبرز ما في برج أنجيلوس أعمدة رخامية ضخمة أُخذت من مبانٍ قديمة ووُضعت أفقية متجاورة لتحمل أرضيات الطوابق، فتبرز أطرافها أكثر من متر خارج الجدار وتصنع ما يشبه الشرفة، وتُرى هذه الشرفة وثلاث نوافذ ضيقة فوق نافذة ذات إطار رخامي في واجهة البرج. وفي الواجهتين المطلتين على القرن الذهبي وإيري قابي بابان يصلان القاعة التي تنيرها هذه النوافذ بسطح برج أنيماس الأخفض وبالقصر. وفي الطابق السفلي يتصل البرجان، ويصعد منحدر دائري داخل برج أنجيلوس إلى قاعة كبيرة مقاسها 10 في 12 مترًا وارتفاعها 7 أمتار، في أرضها ثقوب مستديرة تُعدّ فتحات حفر ضيقة عميقة يُرجَّح أنها كانت لحبس من يُراد انتزاع اعترافه أو من ارتكب أشد الجرائم.
أما البرج الشمالي، الذي يُعرف ببرج أنيماس نفسه، فمبني بعناية بالطريقة البيزنطية المعهودة من مداميك متناوبة من الحجر والآجر، ودعامته من كتل كبيرة منتظمة محكمة. ويختلف الباحثون في أرض طابقه الأرضي: فمنهم من يراه سجنًا خالصًا، ومنهم من يراه صهريج ماء، مستدلين بأنابيب ماء صغيرة وبفتحة قطرها 50 سنتيمترًا يُظن أنها كانت لسحب الماء.

لغز الاسمين
يُفترض أن البرجين أضيفا في آخر مراحل البناء، وأن الجنوبي أقدم من الشمالي لأن الجدار المشترك بينهما ينتمي بوضوح إلى الجنوبي. وهذا يربك التسمية التقليدية، لأن برج أنيماس مذكور قائمًا في السنوات الأولى من القرن الثاني عشر، أي قبل بناء برج إسحاق أنجيلوس بأكثر من 70 سنة.
طُرحت فرضيات عدة لتفسير ذلك: أن التسمية معكوسة، أو أن البرجين معًا بناء واحد عُرف باسمين، أو أن برج أنيماس الحقيقي كان أبعد شمالًا وكان أحد أبراج سور هرقل. ولكل فرضية مشكلاتها، وما زالت التسمية التقليدية هي المستعملة إلى اليوم. ويرى الوصف التركي أن نسبة برج أنجيلوس إلى إسحاق شبه مؤكدة، وأن باقي البناء قبو وأساس لقصر بلاخيرناي ربما استُعمل سجنًا.
بعد الفتح، والمكان اليوم
لا يُعرف في أي غرض استُعملت الزنازين بعد فتح القسطنطينية (1453). غير أن الباحث كورنيليوس غورليت وجد أن إحدى النقوش التي رسمها فيلهلم ديليش لإسطنبول في أواخر القرن السادس عشر تصوّر هذا المكان، ويظهر من اللوحة العامة ومن النقوش الخاصة بالزنازين أن سطحها كان يومئذ حديقة معلقة تغطيها أشجار السرو.
واستُعملت الزنازين في العقود الأخيرة موقعًا لتصوير مشاهد من أفلام الممثل التركي جنيد أركين. واليوم يقف البناء في حيّ أيفان سراي أثرًا وحيدًا باقيًا من قصر بلاخيرناي، بجداره الشاهق وبرجيه المتلاصقين، على مقربة من أسوار المدينة وقصر تكفور والقرن الذهبي.
بطاقة المكان
- الاسم: زنازين أنيماس Anemas Zindanları
- النوع: بناء بيزنطي ملاصق للأسوار، عُرف سجنًا
- البناء: على مراحل؛ برج أنيماس قائم في مطلع القرن الثاني عشر، وبرج إسحاق أنجيلوس في عهد إسحاق الثاني (1186–1187)
- الباني والمعمار: أباطرة أسرة كومنينوس؛ برج أنجيلوس للإمبراطور إسحاق الثاني أنجيلوس
- الطراز: عمارة بيزنطية، مداميك متناوبة من الحجر والآجر
- المكان: حيّ أيفان سراي، منطقة الفاتح
- اليوم: أثر قائم، البقية الوحيدة من قصر بلاخيرناي

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.