السياحة في اسطنبول

عمود قسطنطين: الحجر المطوَّق في جمبرلي طاش

عمود قسطنطين: الحجر المطوَّق في جمبرلي طاش

عمود قسطنطين، أو «جمبرلي طاش» أي الحجر المطوَّق، عمود تذكاري من الرفير الأرجواني أُكمل نحو سنة 328 وافتُتح في 11 أيار 330 تخليدًا لتدشين القسطنطينية عاصمةً على يد قسطنطين الأول. كان يقوم في وسط ساحة قسطنطين على طريق ميسي، وهو اليوم في حيّ جمبرلي طاش بين ميدان السلطان أحمد وميدان بايزيد، وقد عرف العواصف والحرائق والحروب قرونًا متتالية.

أقدم ما بقي في إسطنبول من آثار قسطنطين الكبير عمود من الرفير الأرجواني نُصب ليوم تدشين عاصمته في 11 أيار 330، وما زال قائمًا على طريق المدينة الرئيسي منذ نحو سبعة عشر قرنًا.

عمود على طريق المدينة الأول

عمود قسطنطين Çemberlitaş Sütunu عمود تذكاري ضخم نُصب احتفالًا بتدشين القسطنطينية على يد الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول (قسطنطين الكبير) في 11 أيار سنة 330 للميلاد. وقد اكتمل بناؤه نحو سنة 328، وهو أقدم أثر باقٍ في إسطنبول من عهد قسطنطين.

كان العمود يقوم في وسط ساحة قسطنطين، على ثاني أعلى التلال السبعة التي قامت عليها «روما الجديدة»، في منتصف طريق ميسي الذي كان الشارع الرئيسي في المدينة القديمة. وكان هذا الطريق يمتدّ شرقًا إلى ساحة الأوغستايون ومضمار سباق القسطنطينية وآيا صوفيا وحمّامات زيوكسيبوس وبوّابة خالكي، مدخل القصر الكبير، ويمتدّ غربًا عبر ساحة ثيودوسيوس إلى الفيلادلفيون ثم إلى أسوار القسطنطينية. وفي ساحة قسطنطين نفسها أقام الإمبراطور المقرّ الأول لمجلس الشيوخ البيزنطي.

ويقف العمود اليوم عند النقطة التي يلتقي فيها شارع الإنكشارية Yeniçeriler Caddesi بطريق ديوان يولو Divan Yolu، وهما الشارعان اللذان يصلان ميدان السلطان أحمد بميدان بايزيد، ويسيران تقريبًا على مسار طريق ميسي القديم. وقد صارت الساحة التي كانت تحيط به تُعرف اليوم بساحة جمبرلي طاش.

على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.00861, 28.97111. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

الاسم: الحجر المطوَّق والعمود المحروق

في نحو سنة 1515 رمّم العثمانيون العمود وأضافوا إلى جذعه أطواقًا من الحديد تشدّه، فأُطلق عليه الاسم التركي جمبرلي طاش، وهو مركّب من «جمبرلي» أي المطوَّق و«طاش» أي الحجر. ثم صار الاسم يُطلق على الحيّ المحيط به كلّه.

ويُعرف كذلك باسم العمود المحروق Yanık Sütun، وهو اسم جاءه بعد الحريق الذي أصاب الحيّ حوله سنة 1779 وترك على حجارته آثارًا سوداء.

عمود قسطنطين بطوقه المعدني وقاعدته الحجرية من الجنوب الشرقي، آب 2013
عمود قسطنطين بطوقه المعدني وقاعدته الحجرية من الجنوب الشرقي، آب 2013Bollweevil · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز

التدشين سنة 330

افتُتح العمود في 11 أيار 330 بمراسم جمعت بين الطقوس المسيحية والطقوس الوثنية، في اليوم الذي دُشّنت فيه المدينة عاصمةً جديدة. وكانت ساحة قسطنطين يومئذ ساحة بيضاوية تقع خارج أسوار المدينة القديمة، قرب ما كان على الأرجح البوّابة الغربية لأسوار «أنطونينيا».

وكان العمود عند نصبه بارتفاع يقارب خمسين مترًا، مبنيًّا من عدد من الأسطوانات الضخمة من حجر الرفير الأرجواني. وكانت الأعمدة المنحوتة من كتلة واحدة من الرفير أكثر شيوعًا، وبعض المصادر البيزنطية تصف عمود قسطنطين بأنّه قطعة واحدة، لكنّ حجمه الهائل جعل ذلك غير ممكن. ويُختلف في عدد الأسطوانات، والأرقام الشائعة بين سبع وإحدى عشرة. وكانت المواضع التي تلتقي فيها الأسطوانات مغطّاة بأكاليل غار منحوتة.

وكان في أعلى العمود تمثال من البرونز لقسطنطين، على رأسه تاج مشعّ ذو سبعة أشعّة، يحمل رمحًا وكرة. ويبدو أنّ هيئته استلهمت تمثال رودس العملاق وتمثال نيرون العملاق في روما، وكلّها كانت تشبه صور إله الشمس هيليوس أو أبولو. وكانت الروايات تقول إنّ الكرة تحوي قطعة من الصليب الذي صُلب عليه المسيح بحسب العقيدة المسيحية.

عمود قسطنطين خلف حمّام جمبرلي طاش وقبّته على شارع ديوان يولو، آب 2011
عمود قسطنطين خلف حمّام جمبرلي طاش وقبّته على شارع ديوان يولو، آب 2011Enrique Freire · CC BY 2.0 · ويكيميديا كومنز

المزار عند قاعدة العمود ونقوشها

كان عند قاعدة العمود مزار قيل إنّه حوى ذخائر مقدّسة: بقايا من صليبَي اللصّين اللذين صُلبا مع المسيح، والسلال التي ارتبطت بمعجزة الخبز والسمك، وقارورة الطيب المصنوعة من المرمر التي تنسبها الرواية المسيحية إلى مريم المجدلية، إضافة إلى «البالاديوم»، وهو تمثال خشبي لأثينا جاء من طروادة بحسب الرواية القديمة، وكان رمزًا لحماية روما.

وقد حفظ رسم من القرن السادس عشر للفنان ملكيور لورك نقشًا بارزًا كان على الجهة الشمالية من قاعدة العمود ثم ضاع. وفي وسط هذا النقش تمثال نصفي لإمبراطور داخل إكليل من الغار، تحفّ به صورتان للنصر، ويحيط به برابرة خاضعون يقدّمون الجزية. ويُرجَّح أنّ اثنين منهم يمثّلان فارس وجرمانيا، وهما من أعداء روما التقليديين.

عمود قسطنطين من الرفير الأرجواني فوق قاعدته في حيّ جمبرلي طاش، أيلول 2022
عمود قسطنطين من الرفير الأرجواني فوق قاعدته في حيّ جمبرلي طاش، أيلول 2022Francesco Bini · CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

من القرن الخامس إلى عاصفة 1106

احتاج العمود إلى تدعيم مبكّر، فأُضيفت إليه تقويات من البرونز منذ سنة 416، وأصابته أضرار من الحرائق في القرنين الخامس والسادس.

وفي سنة 1106 هبّت عاصفة شديدة أسقطت التمثال وثلاثًا من الأسطوانات العليا للعمود. وبعد سنوات وضع الإمبراطور البيزنطي مانويل الأول كومنينوس (حكم 1143–1180) صليبًا في أعلاه بدل التمثال الأصلي، وأضاف نقشًا تذكاريًّا يقول: «مانويل المؤمن جدّد هذا العمل الفنّي المقدّس الذي أتلفه الزمن».

بطاقة بريدية ملوّنة لعمود قسطنطين «العمود المحروق» وشارع ديوان يولو، بين 1900 و1907
بطاقة بريدية ملوّنة لعمود قسطنطين «العمود المحروق» وشارع ديوان يولو، بين 1900 و1907Catsimpoolas, Nicholas · Public domain · ويكيميديا كومنز

1204 و1453

خلال نهب القسطنطينية في الحملة الصليبية الرابعة (1204) سرق الصليبيون اللاتين الأكاليل البرونزية التي كانت تغطّي مواضع التقاء الأسطوانات، فبقيت المفاصل مكشوفة.

وبعد فتح القسطنطينية (1453) على يد السلطان محمد الفاتح أزال العثمانيون الصليب من أعلى العمود. ثم جاء ترميم نحو سنة 1515 بأطواقه الحديدية التي منحته اسمه التركي.

صورة فوتوغرافية لعمود قسطنطين والشارع والجامع المجاور له، 1901
صورة فوتوغرافية لعمود قسطنطين والشارع والجامع المجاور له، 1901Jenny Bergensten · Public domain · ويكيميديا كومنز

حريق 1779 وترميم عبد الحميد الأول

في سنة 1779 دمّرت الزلازل وحريق كبير الحيّ المحيط بالعمود، فبقيت على حجارته آثار الاحتراق السوداء، ومن هنا جاءه اسم «العمود المحروق»، وقد سمّاه المؤرخ الإنجليزي جيبون «العمود المحترق».

ورمّم السلطان عبد الحميد الأول العمود، وأضاف إليه القاعدة الحجرية الحالية، وقُوِّيت القاعدة سنة 1779. أمّا المنصّة الأصلية للعمود فهي اليوم تحت الأرض على عمق مترين ونصف تقريبًا.

نقش خشبي لأربعة آثار في القسطنطينية، منها عمود قسطنطين والمسلة والعمود الأفعواني، 1608
نقش خشبي لأربعة آثار في القسطنطينية، منها عمود قسطنطين والمسلة والعمود الأفعواني، 1608Salomon Schweigger · Public domain · ويكيميديا كومنز

الترميمات الحديثة وقائمة التراث العالمي

تتابعت أعمال الترميم على العمود منذ سنة 1955 على فترات. وفي سنة 1972 مُلئت الشقوق في حجر الرفير وجُدّدت المشابك المعدنية، ثم جرت أعمال ترميم أخرى في السنوات السابقة لسنة 2010.

ومنذ سنة 1985 أُدرجت المعالم في المناطق التاريخية من إسطنبول، ومنها هذا العمود، في قائمة التراث العالمي لليونسكو.

العمود اليوم: ما يراه الزائر

يتألّف جذع العمود من أسطوانات ضخمة جدًّا من الرفير الأرجواني، كانت قائمة على قاعدة من الرخام الأبيض لم تعد ظاهرة. ويرتفع أعلاه اليوم 34.8 مترًا فوق مستوى الأرض الحالي، وتُقدَّر أطواله الأصلية من دون التمثال بين 37 و40 مترًا، وكان الأثر كلّه بتمثاله يقارب خمسين مترًا.

وربما كان أكبر عمود تكريمي روماني على الإطلاق، لا ينافسه إلا عمود ثيودوسيوس الذي أُقيم بعده في القسطنطينية ثم هُدم. فقد كان أطول من عمود تراجان وعمود ماركوس أوريليوس في روما، واقترب ارتفاعه من ارتفاع الكولوسيوم في روما (48 مترًا) أو زاد عليه، وتجاوز الارتفاع الداخلي للبانثيون (43 مترًا).

ويبدو العمود اليوم مشدودًا بأطواق معدنية تمسك أسطواناته، وتحطّ عليه حمائم المدينة. ويقع مباشرة بجوار محطّة جمبرلي طاش على خطّ الترام T1، على طريق ديوان يولو بين ميدان السلطان أحمد وميدان بايزيد.

بطاقة المكان

  • الاسم: عمود قسطنطين (جمبرلي طاش) Çemberlitaş Sütunu
  • النوع: عمود تذكاري روماني
  • البناء: اكتمل نحو سنة 328 وافتُتح في 11 أيار 330 في عهد قسطنطين الأول
  • الباني والمعمار: الإمبراطور قسطنطين الأول (قسطنطين الكبير)
  • الطراز: عمود تكريمي روماني من أسطوانات الرفير الأرجواني
  • المكان: حيّ جمبرلي طاش، منطقة الفاتح، على طريق ديوان يولو
  • اليوم: أثر قائم في ساحة جمبرلي طاش بجوار محطّة الترام
  • التراث والترميم: ضمن المناطق التاريخية في إسطنبول المدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ 1985، ورُمِّم على فترات منذ 1955

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo