قصر بوكوليون: واجهة الأباطرة البحرية على شاطئ مرمرة

قصر بوكوليون قصر بيزنطي على شاطئ بحر مرمرة، جنوب مضمار سباق القسطنطينية وشرق جامع آيا صوفيا الصغير، كان الجناح البحري من مجمّع القصر الكبير. بُني على الأرجح في عهد ثيودوسيوس الثاني في القرن الخامس، ووسّعه ثيوفيلوس، وبقي مقرّ البلاط حتى القرن الحادي عشر، ولم يبقَ منه إلا جزء من واجهته فوق الأسوار البحرية، تعمل بلدية إسطنبول الكبرى على ترميمه منذ 2021.
على الأسوار البحرية عند شاطئ بحر مرمرة ما زالت نوافذ رخامية وشرفة معلّقة تشهد على قصر سكنه أباطرة الروم، ونهبه الصليبيون سنة 1204، ورآه السلطان محمد الفاتح خرابًا سنة 1453، وشقّت سكّة الحديد أطلاله سنة 1873.
قصر على الأسوار البحرية
قصر بوكوليون Bukoleon Sarayı أحد القصور البيزنطية في القسطنطينية، يقع على شاطئ بحر مرمرة، إلى الجنوب من مضمار سباق القسطنطينية (ميدان السلطان أحمد اليوم) وإلى الشرق من كنيسة القدّيسَين سرجيوس وباخوس، وهي جامع آيا صوفيا الصغير. وكان القصر في الطرف الجنوبي من مجمّع قصر القسطنطينية الكبير، منفصلًا عن مبانيه الرئيسية، مدمجًا في الأسوار البحرية للمدينة، وله بوّابة بحرية تفضي مباشرة إلى المرفأ الإمبراطوري.
ولم يبقَ من القصر اليوم إلا جزء من واجهته القائمة فوق الأسوار البحرية على ارتفاع يقارب 13.5 مترًا فوق سطح البحر، يمرّ بجوارها الطريق الساحلي. وهو ضمن المواقع المدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.0025, 28.97556. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
من بيت هرمزد إلى الثور والأسد
كانت المنطقة تُعرف أوّل الأمر باسم «هرميسداس» نسبة إلى الأمير الفارسي الساساني هرمزد. ويُرجَّح أنّ اسم «بوكوليون» أُطلق عليها بعد نهاية القرن السادس في عهد جستنيان الأول، حين أُنشئ المرفأ الصغير أمام القصر، وقد رُدم اليوم. وبحسب التقليد كان يقوم هناك تمثال يصوّر ثورًا وأسدًا، فأخذ المرفأ اسمه منه، إذ تعني الكلمتان اليونانيتان «بوس» و«ليون» الثور والأسد.
ولذلك يُعرف القصر أيضًا باسم «بيت هرمزد» و«بيت جستنيان». وقد سكنه جستنيان الأول مع زوجته ثيودورا قبل أن يتولّى العرش، ورمّمه، ثم ضمّه بعد أن صار إمبراطورًا إلى مجمّع القصر الكبير.

البناء والتوسعة: من ثيودوسيوس إلى نقفور الثاني
بُني قصر بوكوليون على الأرجح في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني في القرن الخامس. ثم أعاد الإمبراطور ثيوفيلوس (829–842) بناءه ووسّعه توسعة كبيرة، وأضاف إليه واجهة ضخمة فوق الأسوار البحرية.
وفي سنة 969، حين أحاط الإمبراطور نقفور الثاني مجمّع القصر الكبير بأسوار دفاعية، قوّى الواجهة البحرية لقصر بوكوليون بالأسوار بدءًا من برج المنارة، وبنى فيه مبانيَ إضافية كالمخازن. ومعظم ما بقي من القصر على الأسوار البحرية اليوم يعود إلى القرن العاشر.

قصر البلاط والمجامع والسفارات
بقي بوكوليون القصر الرئيسي للبلاط البيزنطي حتى القرن الحادي عشر، حين بنت أسرة كومنينوس قصر بلاخيرنا وانتقل إليه الأباطرة. ومع ذلك ظلّ القصر يُستعمل للقاءات الدولة: ففيه استُقبل سلطان سلاجقة الروم قلج أرسلان الثاني سنة 1161، وملك القدس عموري سنة 1171، وفيه عقد الإمبراطور مانويل الأول كومنينوس مجمعًا كنسيًّا سنة 1166.
وكان القصر يحفظ شارات الأباطرة البيزنطيين وحُليّهم الرسمية، وضمّت كنيسته ذخائر مقدّسة. وكان دخول هذه الكنيسة مقصورًا على قلّة، ومع ذلك توجد دلائل على أنّها كانت من محطّات الحجّ المسيحي.

الحملة الصليبية الرابعة سنة 1204
في نهب القسطنطينية خلال الحملة الصليبية الرابعة (1204) استولى على القصر بونيفاس دي مونفيرات. ويروي المؤرّخ الفرنسي جوفروا دي فيلاردوان، الذي شهد الحملة، أنّ بونيفاس سار على طول الشاطئ حتى بلغ بوكوليون، فاستسلم له القصر على أن تُحفظ أرواح من فيه. وكانت قد لجأت إليه أكثر السيّدات الكبيرات، ومنهنّ أخت ملك فرنسا وأخت ملك المجر، وكلتاهما كانت إمبراطورة، ويقول إنّ الكنوز التي وُجدت فيه كانت أكثر من أن تُعدّ أو تُحصى.
وكان من بين الغنائم الإمبراطورة مرغريت، ابنة بيلا الثالث ملك المجر، فتزوّجها بونيفاس. وفي عهد الإمبراطورية اللاتينية (1204–1261) بقي بوكوليون مقرًّا إمبراطوريًّا، إذ فضّل الأباطرة الكاثوليك القادمون من أوروبا الغربية هذا القصر البحري.

الهجر ثم عام 1453
بعد أن استعاد ميخائيل الثامن باليولوغوس المدينة سنة 1261 هُجر القصر تدريجيًّا مع مجمّع القصر الكبير كلّه، وفضّل الأباطرة قصر بلاخيرنا عليه.
ولمّا دخل السلطان محمد الفاتح المدينة سنة 1453 كان هذا القصر الشهير لا يزال قائمًا وإن كان خرابًا. ويُروى أنّه لمّا تجوّل في قاعات القصر الإمبراطوري الخالية ردّد بيتًا للشاعر الفارسي سعدي معناه أنّ العنكبوت صار حاجبًا في قصر كسرى، وأنّ البوم يطلق نوبته في قلعة أفراسياب.

سكّة الحديد 1873 وجادة كينيدي 1959
في سنة 1873 هُدم جزء من أطلال القصر لمدّ خطّ السكّة الحديدية إلى محطّة سيركجي، فتضرّر القسم الغربي من الواجهة. ثم أزالت أعمال شقّ جادة كينيدي Kennedy Caddesi الساحلية سنة 1959 جزءًا آخر من القسم الغربي كان قد نجا من هدم 1873، مع قطعة من الأسوار.

ما بقي من الواجهة
كان طول الواجهة الأمامية للقصر 300 متر، ينقسم إلى قسمين عند الموضع الذي ينكسر فيه بزاوية قائمة درجٌ ضخم كان يصل القصر بالمرفأ الإمبراطوري. وكان القسم الشرقي ينتهي ببرج استُعمل منارة، لم يبقَ منه إلا أسفله، ويمتدّ القسم الغربي على طول السور حتى باب جاتلادي قابي.
وفي القسم الشرقي، الذي يُظنّ أنّه من إضافات عهد جستنيان، جزء ذو أعمدة، وخلفه مساحة مسقوفة بالأقبية فيها صفّ من النوافذ ذات الأطر الرخامية، أعاد بناءها ثيوفيلوس ووسّعها قسطنطين السابع. وما زالت الكوابيل الرخامية ظاهرة في الواجهة، ويُرجَّح أنّها كانت تحمل شرفة تطلّ على البحر يُدخل إليها من ثلاثة أبواب مؤطّرة بالرخام، وهي أوضح ما يراه الزائر اليوم. وقرب الدرج رواق بثلاثة عقود يتّصل بغرف مقبّبة خلفه.
وفي القسم الغربي ثلاث نوافذ قائمة وكوابيل شرفة، وقرب سطح البحر باب بعقد نصف دائري بين الدرج وبروز كانت عليه تماثيل أسود، وتُنسب البوّابة إلى قسطنطين الأول. وتماثيل الأسود هذه محفوظة اليوم في متاحف إسطنبول الأثرية.
وللقصر ثلاثة أبواب: باب صغير لا يُعرف اسمه، و«الباب الصغير»، و«باب مرفأ القصر الإمبراطوري» الذي يفتح عليه الدرج الضخم. وعلى جانبي «الباب الصغير» كتل رخامية منقولة من القرنين الخامس والسادس، على إحداها حروف متشابكة باسم الإمبراطور جستنيان. وتحت القصر، شرق الدرج الإمبراطوري، صهريج مسقوف بأقبية متقاطعة فيه ستّة أعمدة أيونية، يُرى أنّه من القرن التاسع. أمّا المرفأ الصغير ورصيفه فقد صارا اليوم تحت التراب.
الحفريات والترميم
في سنة 1984، خلال أعمال بناء في زقاق فنرلي كوبرو على بعد 25 مترًا شمال الأطلال، وُجدت أرضية فسيفساء من القصر مساحتها 7 أمتار في 5 أمتار، يحيط بها جدار من الآجرّ، ومعها لوح رخامي من قطعة واحدة بمساحة 3 أمتار في 2 يُظنّ أنّه من مائدة مذبح.
وفي سنة 2018 أعلنت بلدية إسطنبول الكبرى أنّ القصر سيُرمَّم بإشراف مجلس حماية التراث الثقافي والطبيعي، وأنّه سيصير متحفًا مفتوحًا فيه ممشى خشبي للزوّار ومتحف وبركة ماء. وبدأت البلدية الترميم سنة 2021، مع حفريات بإشراف متاحف إسطنبول الأثرية.
وفي سنة 2021 كشفت الحفريات نافورة من العصر البيزنطي، هي أقدم نافورة عُثر عليها في إسطنبول حتى الآن، وكشفت كذلك بناءً مقبّبًا يتفرّع إلى ثلاثة ممرّات يُظنّ أنّه كان دهليزًا للهرب.
القصر اليوم
تبدو أطلال بوكوليون اليوم جدارًا عاليًا من الحجر والآجرّ فوق الطريق الساحلي، تنفتح فيه النوافذ الرخامية والأبواب الثلاثة للشرفة، فيما تتواصل أعمال الترميم في الموقع، وقد نُظّمت فيه جولات بصحبة مرشدين. وتعمل بلدية إسطنبول الكبرى على جعله متحفًا في الهواء الطلق.
ويقع الموقع على جادة كينيدي، قريبًا من جامع آيا صوفيا الصغير ومن الطرف الجنوبي لميدان السلطان أحمد، فيمكن ضمّه إلى جولة في آثار القصر الكبير تبدأ بمتحف فسيفساء القصر الكبير في سوق أراسته وتنتهي عند البحر.
بطاقة المكان
- الاسم: قصر بوكوليون Bukoleon Sarayı
- النوع: أطلال قصر بيزنطي
- البناء: على الأرجح في عهد ثيودوسيوس الثاني في القرن الخامس، ووسّعه ثيوفيلوس في القرن التاسع
- الباني والمعمار: ثيودوسيوس الثاني، ثم ثيوفيلوس ونقفور الثاني
- الطراز: عمارة بيزنطية، قصر مدمج في الأسوار البحرية
- المكان: جادة كينيدي على شاطئ بحر مرمرة، قرب جامع آيا صوفيا الصغير، منطقة الفاتح
- اليوم: أطلال قيد الترميم تعمل بلدية إسطنبول الكبرى على جعلها متحفًا في الهواء الطلق
- التراث والترميم: ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو؛ ترميم وحفريات منذ 2021

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.