ميناء ثيودوسيوس في يني قابي: مرفأ القسطنطينية الغارق وحفريات مرمراي

ميناء ثيودوسيوس مرفأ تجاري بُني في أواخر القرن الرابع الميلادي على شاطئ بحر مرمرة، عند مصب نهر ليكوس، تحت حيّ يني قابي في منطقة الفاتح اليوم. ظل الميناء الرئيسي لتجارة المدينة في أواخر العصور القديمة حتى طمره الطمي، ثم كشفت حفريات مشروع مرمراي والمترو منذ 2004 بقاياه وأكثر من 35 سفينة بيزنطية وأقدم آثار الاستيطان في إسطنبول.
حين حفر العمال لنفق مرمراي تحت يني قابي وجدوا ميناءً بيزنطيًّا كاملًا طمره الطمي، وفي قاعه عشرات السفن، وتحتها قبور عمرها ثمانية آلاف سنة.
مرفأ تحت الحيّ
ميناء ثيودوسيوس Theodosius Limanı، ويُعرف باللاتينية بـ«بورتوس ثيودوسياكوس» Portus Theodosiacus، أحد موانئ القسطنطينية القديمة، عاصمة الدولة البيزنطية. يقع اليوم تحت حيّ يني قابي Yenikapı، أي «الباب الجديد»، في منطقة الفاتح على الشاطئ الأوروبي، عند الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة التاريخية المطل على بحر مرمرة.
بُني الميناء عند مصب نهر ليكوس Lykos، المعروف اليوم بجدول بيرم باشا، وهو المجرى المائي الوحيد الذي كان يجري داخل أسوار المدينة في العصر البيزنطي ويصب في بحر مرمرة. وكان الميناء في خليج واسع يمتد من يني قابي إلى الأرض التي عُرفت لاحقًا ببساتين لانغا، غربيَّ ميناء كونتوسكاليون القديم، محميًّا من ريح الشمال الشرقي الغالبة على بحر مرمرة. ويحدّ شاطئه الشمالي اليوم شارع لانغا الصغير Küçük Langa Caddesi الذي يحمل الاسم اليوناني القديم «فلانغا».
وكانت للمدينة موانئ أخرى: على الساحل الجنوبي ميناء جوليان والميناء الصغير لقصر بوكوليون، وعلى القرن الذهبي في الشمال ميناءا نيوريون وبروسفوريون، أي «ميناء الواردات».
على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 41.00467, 28.95222. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
ميناء إليوثيريوس الأقدم
قد يكون ميناء ثيودوسيوس قائمًا في موضع ميناء إليوثيريوس Harbour of Eleutherios أو بقربه، وهو ميناء لم يُحدَّد مكانه بعد في هذه الناحية. وكثيرًا ما يُعدّ الميناءان واحدًا، غير أن المصدر البيزنطي المكتوب الوحيد الذي يذكر إليوثيريوس يقول صراحة إنه وُجد قبل ثيودوسيوس.
ويُرجَّح أن هذا الميناء الأول كان في بدايته خليجًا طبيعيًّا، وأنه يعود إلى ما قبل القرن الرابع. ثم رُدم بالتراب الذي أُخرج في أثناء بناء الساحة الكبرى للإمبراطور ثيودوسيوس الأول (379–395). ويُعدّ من المؤكد تقريبًا أن موضعه صار لاحقًا يُعرف بقصر إليوثيريوس الذي بنته الإمبراطورة إيرين (780–802) شرقيَّ ميناء ثيودوسيوس.

بناء الميناء وأيام ازدهاره
بُني ميناء ثيودوسيوس في أواخر القرن الرابع في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، آخر أباطرة الإمبراطورية الرومانية قبل انقسامها، في خليج يقع في الحي الثاني عشر من أحياء المدينة. وصار الميناء المحطة الكبرى لتجارة القسطنطينية في أواخر العصور القديمة، وبديلًا من المراسي التقليدية على القرن الذهبي.
كانت السفن الآتية بالحبوب من مصر تفرغ حمولتها هنا. فلما صارت مصر في أيدي العرب سنة 641 للميلاد توقفت شحنات الغلال، فتراجعت أهمية الميناء، لكنه بقي قائمًا حتى القرن الثاني عشر بحسب المصدر التركي، واستُعمل حتى القرن الحادي عشر بحسب المصدر الإنجليزي.
ويرد الميناء باسم «بورتوس ثيودوسيانوس» في «وصف مدينة القسطنطينية» Notitia Urbis Constantinopolitanae، وهو سجل لمعالم المدينة وُضع في القرن الخامس في عهد ثيودوسيوس الثاني. ولا تذكر المصادر البيزنطية المكتوبة عنه إلا القليل، وفي نصوص القرون من السادس إلى التاسع يُسمّى «ميناء قيصر» نسبة إلى حيّ سكني قريب. غير أن الحفريات أثبتت أنه كان أهم بكثير، وأطول عمرًا بكثير، مما توحي به الوثائق.

من ميناء إلى بساتين
يدل تأريخ كثير من السفن الغارقة التي وُجدت في يني قابي إلى مطلع القرن الحادي عشر على أن الميناء ظل يعمل بكثافة حتى ذلك الحين. ثم أخذ نهر ليكوس يملؤه بما يحمله من طمي، نتيجة التعرية في أعلى مجراه والترسيب عند مصبه، حتى امتلأ الميناء كله.
وتحولت الأرض بعد ذلك إلى حقول زراعية داخل المدينة، عُرفت ببساتين لانغا Langa Bostanları، وظلت حتى خمسينيات القرن العشرين تمد إسطنبول بقسط كبير من حاجتها إلى الخضر. وفي العهد العثماني بُنيت المنطقة، فغاب الميناء تحت البيوت والشوارع قرونًا.

الاكتشاف: حفريات مرمراي
منذ 2004 أجريت أعمال إنقاذ أثري في الموضع الذي يخرج فيه نفق مرمراي Marmaray إلى سطح الأرض على الشاطئ الأوروبي. وفي تشرين الثاني 2005 كشف العاملون في مشروع النفق تحت البوسفور عن بقايا الميناء المطمور بالطمي، وأخرجت الحفريات أدلة على ميناء القرن الرابع.
صارت حفريات يني قابي من أكبر الحفريات الأثرية في أوروبا، بسبب حجم السفن الغارقة وعددها وكثرة ما رافقها من القطع. وأخّرت هذه الأعمال الواسعة بناء محطة المواصلات الجوفية في يني قابي. وعُثر فيها على آثار من العصر الحجري الحديث والعصر الهلنستي والعهد الروماني والعهد البيزنطي، وعلى بقايا أسوار تُعدّ اليوم أول أسوار المدينة التي أقيمت حين كانت تُسمّى بيزنطة، وعلى آثار من سور قسطنطين الأول (قسطنطين الكبير).
وأصبح ميناء ثيودوسيوس بعد حفريات مرمراي والمترو أفضل موانئ المدينة توثيقًا على الإطلاق. وفي سنة 2020 عثر علماء الآثار أيضًا على بقايا حيوانات وهياكل عظمية، منها قطط، تعود إلى العهد البيزنطي.

السفن الغارقة
أخرجت الحفريات بقايا أكثر من 35 سفينة بيزنطية تعود إلى ما بين القرنين السابع والعاشر، ومنها عدد من القوادس البيزنطية الحربية التي لم يُعثر على بقايا شيء منها قبل ذلك قط. وقد ألقت هذه السفن ضوءًا جديدًا على دور القسطنطينية مدينةً مرفئية، وعلى طرق بناء المراكب في ذلك العصر، وعلى الحياة اليومية في الميناء.
تجمع سفن هذا العصر بين طريقتين في البناء: طريقة الهيكل الخارجي أولًا وطريقة الأضلاع أولًا. وتُظهر سفن يني قابي تحولًا من ربط الألواح السفلية بوصلات النقر واللسان غير المثبّتة بالأوتاد إلى استعمال الأسافين الداخلية نحو سنة 900، وهي تقنية لم تكن معروفة قبلها إلا في سفينة بيزنطية واحدة غرقت قبالة بوزبورون.
أما السفن المستديرة من يني قابي فتمثل قطيعة واضحة مع التقليد الكلاسيكي في بناء السفن، الذي كان يصنع هيكلًا على شكل كأس نبيذ بأنصاف أضلاع وعوارض أرضية متناوبة، إذ جاءت قيعانها مسطحة وأضلاعها في صف واحد. وقد حُفظت السفن الغارقة وعولجت في جامعة إسطنبول وفي معهد الآثار البحرية في بودروم.

ثمانية آلاف سنة من إسطنبول
أعمق طبقة بلغتها الحفريات، على نحو 6.3 أمتار تحت مستوى سطح البحر، قدمت أهم ما عُرف عن عصور ما قبل التاريخ في إسطنبول. فقد وُجدت فيها قبور من العصر الحجري الحديث تعود إلى ما بين 6300 و6000 ق.م، في أربعة قبور تضم هياكل عظمية عمرها نحو ثمانية آلاف سنة، ثم تتابع العثور على قبور أخرى مع استمرار الحفر.
ومع القبور خرجت أقدم شواهد الاستيطان في المدينة: جرار وكسر فخار وأصداف وقطع عظام وجماجم خيول، وتسع جماجم بشرية وُجدت في كيس واحد. وتدل هذه القبور على أن المكان الذي امتلأ بالماء وصار ميناءً في العصر البيزنطي كان في عصور ما قبل التاريخ تلًّا سكنيًّا، وقد مدّت هذه المكتشفات تاريخ إسطنبول المعروف إلى ثمانية آلاف سنة إلى الوراء.

يني قابي اليوم
عُرضت نحو 500 قطعة مما خرج من حفريات مرمراي في متحف إسطنبول للآثار. وفي سنة 2012 نُظمت مسابقة تصميم دولية للموقع الأثري، فاز فيها مشروع بيتر آيزنمان ومكتب «آيتاج» للعمارة، ويتصور المشروع حديقة أثرية ومتحفًا أثريًّا كبيرًا. وفي تموز 2020 أطلقت بلدية إسطنبول الكبرى مسابقة تصميم معماري لإقامة مركز زوار تُعرض فيه بقايا الميناء.
ويني قابي اليوم ميناء وحيّ في منطقة الفاتح، وفيها مركز يني قابي للنقل، المحطة الجوفية التي تلتقي فيها خط المترو الخفيف M1 وخط المترو M2 وخط مرمراي الذي يصل الشاطئين الأوروبي والآسيوي بنفق تحت البوسفور، وهي أيضًا محطة على خط قطار الضواحي بين إسطنبول وهالكالي. وعلى البحر أمامها ميدان يني قابي، أرض اصطناعية رُدمت في بحر مرمرة تُقام فيها التجمعات الكبرى والمهرجانات.

بطاقة المكان
- الاسم: ميناء ثيودوسيوس Theodosius Limanı
- النوع: ميناء بيزنطي مطمور وموقع حفريات أثرية
- البناء: أواخر القرن الرابع الميلادي، في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأول
- الباني والمعمار: الإمبراطور ثيودوسيوس الأول
- المكان: حيّ يني قابي، منطقة الفاتح
- اليوم: موقع أثري كُشف في حفريات مرمراي والمترو منذ 2004

التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.